fbpx
بانوراما

يوميات درب مولاي الشريف … انتصار ثورة فيتنام

كان من بين ضحايا الاعتقالات مواطنون لا علاقة لهم بالتنظيم ولم يعرفوا بوجوده

ذاكرة محمد فكري، أحد قيدومي مناضلي اليسار الجديد، تشبه مجلدا ضخما، بقي على الرفوف. كان قدر هذا المناضل الكتوم، الفاعل خارج منصات التناظر والخطابة، أن يعيش ويرافق، منذ بداية شبابه، جل محطات الانعطاف في تاريخ الحركة الوطنية التقدمية واليسارية.
“الصباح” فتحت سجل ذاكرة هذا المناضل شديد التواضع، والذي عاش على مدى أزيد من نصف قرن، شاهدا صموتا على تحولات كبرى في جسد اليسار التنظيمي، وفي خطه السياسي، وفي تجدد أجيال من مناضليه، من خلال حلقات يستعيد فيها بعض الشذرات المتفرقة من أيام وليالي درب مولاي الشريف، والتي تشكل مقدمة لكتابة مذكرات تعزز خزانة ما يعرف بـأدب السجون، وهي حلقات لا تخلو من حكي يمزج بين السخرية اللاذعة والإيمان القوي بالقضايا التي اعتنقها جيل من الشباب، وأدى في سبيلها ضريبة الاعتقال لسنوات، في مرحلة ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص.

إعداد: برحو بوزياني

في درب مولاي الشريف، الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود، بدأت الاعتقالات ليلة الجمعة السبت، أول وثاني نونبر 1974، وبسرعة تمكن البوليس من اعتقال عدد كبير من الرفاق والمناضلين. تجربة مريرة حقا، فالأمر ربما يعود في نظري، أنا المواطن البسيط، إلى أن الإنسان لما يتصدى لحمل رسالة كبرى، يجب أن يكون على قدر المسؤولية، ولديه الاستعداد للتضحية، ومن ثم إرادة أقوى والاستماتة في الحفاظ على أمن وسلامة رفاقه.
من يتصدى لقيادة تنظيم أو حزب ثوري يسعى للتغيير، يكون دائما في مقدمة من يضحي بنفسه، فقائد فرقة عسكرية يكون في مقدمة الجنود ويحرص أشد الحرص، على الحفاظ على حياتهم وأمنهم، فمعهم سيواجه العدو، وبهم سيحقق النصر. أما إذا ضعف القائد أمام أول امتحان يواجهه بحثا عن الخلاص الشخصي، مضحيا بأمن وسلامة رفاقه، ومن ثم سلامة وأمن التنظيم، للحفاظ على حياته الشخصية، والتضحية بالجميع مرددا في دواخله “أنا ومن بعدي الطوفان”، فلا يستحق أن يحمل صفة القائد أو المسؤول.
والحقيقة أنه قدم نفسه قربانا لعدو لا يرحم ولا يحسب أي حساب للذين ينهزمون عند أول امتحان.. وهنا أفتح قوسا، لأؤكد أنني لا أقصد أحدا بعينه، وإنما أطرح الأمر من وجهة نظري المتواضعة بشكل عام.
بدأت الاعتقالات ليلة الجمعة ـ السبت، واستمرت بشكل جنوني حتى نهاية 74 والأشهر الأولى من 75، شملت الحملة كل من ورد اسمه في الاستنطاق، أو وجدوا اسمه في قصاصة ورقة أو غلاف مجلة أو كتاب، وكان من بين ضحايا هذه الاعتقالات مواطنون لا علاقة لهم بالتنظيم، ولم يعرفوا بوجوده، ومنهم من كان صديقا لأحد المتهمين بالانتماء للتنظيم، أو زميلا له في العمل.
اعتقلوا مواطنين لمجرد مرورهم أمام عمارة يوجد فيها منزل أحد المبحوث عنهم، ولفتت نظره الحراسة المشددة، فتوقف ليسأل، أو رفع بصره نحو الشقة المحروسة، كان ذلك سببا كافيا لاعتقاله واقتياده إلى المعتقل السري، واستنطاقه تحت التعذيب. وكلما أنكر جهله بالأمر، ازداد تعذيبه، بل منهم من قضى أسابيع وأشهرا في درب مولاي الشريف، قبل أن يخلوا سبيله، ومنهم من حكم عليه بسنتين ونصف حبسا، وهو لا يعرف شيئا عن التنظيم ولا علاقة له به، بل الأدهى من هذا، كان مريضا عقليا.
في 1975، جرت أحداث كبرى، مثل اغتيال الملك فيصل، عاهل السعودية، ووفاة أم كلثوم وفريد الأطرش، وقد علمنا بها من خلال استراق السمع لأحاديث الحراس، الذين يسمونهم الحجاج، وهذا ما جعلني أمقت وأكره لقب “الحاج”، لارتباطه في مخيلتي بجلادي درب مولاي الشريف.
وكان أهم حدث علمنا به، ونحن في ضيافة الجلادين، هروب الأمريكيين من فيتنام، وتحرير سايغون من العملاء على يد الجيش الفيتنامي، بقيادة البطل جياب.
في أحد الصباحات الباردة، كنا ما زلنا ننتظر وجبة الفطور، الذي كان عبارة عن خبزة لليوم كله، فيها الفطور والغذاء والعشاء، ومن سخرية الأقدار أن الزنزانة التي وضعنا فيها، كانت تقع أمام المطبخ الذي يعدون فيه أكل ضباط وأفراد حراس المخفر، وكانت روائح الأطعمة من لحم وسمك تزكم أنوفنا.
في أحد تلك الصباحات، وقبل استلام الحجاج مهامهم، سمعتهم يتحدثون عن هروب الجنود الأمريكيين من سايغون بالطائرات، ففرحت بانتصار ثورة الشعب الفيتنامي، الذي استطاع بفضل تضحياته الجسام، هزم أعتى قوى امبريالية في القرن العشرين، كما سبق له أن هزم الامبريالية الفرنسية في معركة ديان بيان فو. والحقيقة أن هذا الانتصار العظيم، أعطاني جرعات قوية من الأمل والإصرار على الصمود ومواصلة الطريق، وتيقنت أن من ينتصر دائما هي قوة الشعوب وإرادتها، ومن ينهزم هي قوة الشر والعدوان، ومن يسلبون حرية الشعوب ويسرقون خيراتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى