ستون ألف قتيل وزُهاء مليوني مهجَّر بداخل سوريا وخارجها عندما حدثني صديقي الدكتور حسين العمري من اليمن عن الهموم التي تعتريه نتيجة المأساة السورية، أدركتُ أن الأمة العربية لا تزال موجودة، وأنها أمة واحدة. هل في ذلك عزاء؟ لا أدري. فالإحساسُ بالوجود أو بالوحدة إن كان حاضراً بالفعل؛ فإنه ما صار فعالا أو أنه لم يعد كذلك. فعندما قامت الوحدة المصرية السورية عام 1958 شعر اللبنانيون والعراقيون والأردنيون أنهم مشاركون فيها، ومضوا جميعاً لاستقبال عبد الناصر بدمشق إلى جانب السوريين. عندما أغار البريطانيون والفرنسيون والإسرائيليون على مصر عام 1956، وجد الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون أدواراً يلعبونها من أجل نُصرة مصر. وهذه الفعالية العربية ليست مقصورةً على الزمن القومي بالتعريف. فعندما غزا الإيطاليون طرابلس الغرب عام 1911 تدفَّق المتطوعون العرب عليها من تونس وسوريا ولبنان والعراق ومصر. وكذلك عندما قامت الثورة السورية عام 1925؛ فقد سارع إلى مشاركة السوريين فيها سائر أهل الشام، ومثقفو وشعراء مصر والعراق.ولست أزعُم أن مشاعر التضامن هذه لا تزال على اشتعالها وفعاليتها في كل آن. فقد شعرنا أو شعر أكثرنا بالارتياح لتحركات الشبان المدنيين السلمية في تونس ومصر واليمن. لكن أكثرنا شعر بالارتياع من الانقسام الحاد بالبحرين والعراق، ومن العنف الهائل بليبيا وسوريا. وقد بدأنا ننسى ما حصل في ليبيا، لكني على يقين أنه ترك جراحاً غائرةً لن تلتئم بسهولة بين المناطق أو بين العشائر. وإن كان ما حصل بليبيا قد مضى، وإن لم يجر تجاوزه بعد؛ فإن ما حدث في سوريا، ما مضى ولن يمكن تجاوز آثاره لزمن قد يطول. ما فرحنا لشيء، كما فرحنا للحراك السوري. فمنذ عام 1963 تقف السلطة هناك حجر عثرة في وجه كل محاولات النهوض والتجاوز. فقد قامت سلطة البعثيين في الأصل لفصل الشام عن مصر، ثم فصل الشام عن فلسطين، وأخيراً زرع العداوة والبغضاء والانفصال القاطع بين سوريا والعراق. وفي حين قضت السلطة السورية أكثر هذه المدة في الانفصال بالتقاطع مع أمريكا وإسرائيل والسوفيات، فإنها تؤدي مهماتها الانفصالية الأخيرة بالتحالف مع إيران.بدت معجزة الثورة السورية منذ البداية، عندما لم يؤيدها أحد خارج سوريا، باستثناء بعض اللبنانيين المنزعجين من السطوة السورية والإيرانية في بلادهم. فالسلطة السورية استطاعت الحفاظ على سُمعتها وهيبتها باعتبار أنها، بخلاف مصر والأردن، ما عقدت اتفاق سلام مع إسرائيل، ولأنها دعمت «حزب الله» و»حماس»، ومقاومة الأمريكيين بالعراق. كما أقامت أعمدة خيمتها في مواطن متعددة، لكي يشعر الجميع أنها مفيدة وغير مهدِّدة. فعندها عمود في الولايات المتحدة، وآخر في روسيا، وآخر في إسرائيل، وآخر في إيران، وآخر في العراق، واثنان في لبنان!. وحتى الإسلاميين الذين بدؤوا بالبروز بعد الثورات، ترددوا إزاء الحِراك السوري. فـ»الإخوان المسلمون» السوريون ظلوا يؤكدون على سلمية الحراك أو المعارضة لقُرابة تسعة أشهر. أما الإسلاميون الآخرون في الأردن ومصر؛ فانتظروا موقفاً من «حماس» والتي استغرق صمتُها عاماً أو أكثر. ما قبل النظام الأسدي إعلان «حماس» عن حيادها، واتخذ إجراءاتٍ ضدها، وقتل بعض أطرها، فأَخرج ذلك «حماس» عن طورِها؛ في حين ظلّت على تحفظها تجاه إيران حتى بعد حصول الحرب على غزة واختلاف الرأي في الحلول والمصائر.لقد انحمى النظام السوري حتى أواخر عام 2011 بأمرين: وقوف القوميين والإسلاميين (السنة والشيعة) معه قُرابة العام، والإجماع الدولي على عدم التدخل بسوريا لعدة عوامل: أنها عنصر استقرار، وأن إسرائيل تريد بقاء النظام هناك، وأن الإيرانيين والأتراك والأمريكيين كانوا قد اتفقوا حوالي عام 2010 على التشارك في العراق وسوريا ولبنان، وأنهم أخيراً لا يريدون تكرار نموذج ليبيا. وبعد عام أُضيف عامل آخر هو الخوف من التطرف (الإسلامي) على المسيحيين والعلويين، وعلى الأقليات عامة! لذا فقد كانت لدى النظام بالفعل فرصةٌ لينجو لو أنه تجنب استخدام العنف المفرط من جهة، وقام بإصلاحات دستورية وسياسية سريعة من جهة أُخرى، شأنَ ملك المغرب مثلا. لقد ثار الريف السوري كله تقريباً خلال الشهور الأولى. أما المدن الكبرى، وبخاصة دمشق وحلب، فترددت كثيراً، وما كانت في مزاج ثوري. وإنما أثار المُدُنَ الشبانُ المهمشون والمتأثرون بالثورات العربية الأخرى، والعاملون من خلال وسائل الاتصال المعولمة، والعنف الهائل الذي استخدمه النظام ضد المتظاهرين السلميين.وعلى أي حالٍ؛ فإنه في مطالع عام 2012 كان هدف الثورة السورية قد تحدد: إسقاط حكم الأسد بالسلاح. وقد اعتمد السوريون في ذلك على أنفسهم، رغم ضآلة الإمكانيات حتى اليوم. وساندهم مثقفوهم وسياسيوهم المقيمون بالخارج أو الذين هاجروا بعد قيام الثورة طوعاً أو انشقاقاً. وهكذا تشكل المجلس الوطني، ثم تشكل الائتلاف. وكانت لذلك فوائد سياسية مع العرب والخارج العالمي، وتنظيم الدعم الإنساني للداخل، وأحياناً الدعم المحدود بالسلاح. وبعد جهد جهيد، اتخذت الجامعة العربية مبادرات ومواقف لصالح تغيير النظام السوري سلماً أو عبر دعم الثورة المسلحة. وما استطاع الدوليون الوصول إلى قرار في مجلس الأمن، بسبب اعتراض روسيا والصين، لذلك اقتصرت المساعدات الغربية لسوريا على الإنسانيات والوسائل «غير القتالية».مع نهايات عام 2012 يكون قد مضى على الثورة في سوريا اثنان وعشرون شهراً. وبحسب الإحصائيات الدولية، فقد سقط زهاء الستين ألف قتيل، غالبيتهم العظمى من المدنيين، أي ممن قتلهم النظام، وزُهاء المليوني مهجَّر بداخل سوريا وخارجها، وزُهاء رُبع المليون معتقل، ونحو خمسين أو ستين ألفاً مجهولي المصير. وقد تخرَّب زُهاء الـ60 في المائة من بلدات الريف السوري، والـ50 في المائة من المدن المتوسطة، والـ 40 في المائة من المدن الكبيرة. وقد فشل الثوار في التوحد سياسياً أو عسكرياً. كل ما حصل أن الائتلاف في الخارج يضم 90 في المئة من جهات الثورة، وأنه أمكن إحداث تنسيق قيادي للجيش الحُر، دون الفِرق المسلحة المستقلة. وقد حصل تقدم كبير على الأرض لصالح الثوار يناهز الستين بالمائة من مساحة سوريا. وفي هذه المساحة كل المراكز العسكرية الباقية للنظام محاصرة، ولذا يستخدم النظام الطيران في القصف والقتل، وفي إرسال المؤن والذخائر للمراكز العسكرية المحاصرة. وخلال شهر ونصف الشهر لن يبقى للنظام شيء في حلب وما وراءها. إنما سيظل يقاتل بدمشق (حصنه الأخير)، وبحمص من أجل التواصُل بين الساحل العلوي والمناطق اللبنانية المُحاذية. وما استطاع الثوار السوريون كسب نسبة وازنة من المسيحيين أو العلويين أو الدروز. وبالإضافة إلى أخطار الانفصالية الكردية، والانتثار الطائفي، هناك خطر الانتشار المسلح ذي الطابع المحلي غالباً، والذي ستجد الثورة السورية صعوبةً في ضبطه كما يحصل في ليبيا اليوم. رهانات أمريكا وإيران وروسياما عاد الروس أو أركان النظام السوري المدنيون يتحدثون عن بقاء النظام، بل يقولون إن الثوار لن يتمكنوا من الانتصار. ووحدهم الإيرانيون و»حزب الله» وبعض الجهات العراقية ما زالوا يتحدثون عن انتصار الأسد. وقد زعم السفير الإيراني في لبنان أن 95 في المائة من المسلحين بسوريا هم من الأجانب! ولن يربح الروس أو يخسروا، إذا زال النظام السوري، فقد عادوا طرفاً في التنافس على الشرق الأوسط، وليس عن طريق سوريا فقط؛ بل وعن طريق الاشتراك في ضمان أمن إسرائيل، وادعاء حماية الأرثوذكس بالمشرق! أما الإيرانيون، فسيخسرون كثيراً في العراق وسوريا ولبنان، ولذا لا يريدون التنازل عَلَناً مع إجراء اتصالات سرية مع الإسلاميين للحد من الأضرار بعد سقوط الأسد. هل يسقط الأسد؟ نعم وخلال شهرين أو ثلاثة. إنما لابد أن يعمد العرب إلى مساعدة السوريين على إقامة حكومة مؤقتة، وتزويد الجيش السوري الحر بالسلاح الثقيل، لتسريع سقوط الأسد، وبدون انتظار موافقة الأمريكيين. بقلم: د. رضوان السيد , كاتب ومفكر لبناني