fbpx
افتتاحية

الوجه البشع

سنظل نلح على لزوم المواطنين منازلهم واحترام تدابير حالة الطوارئ الصحية بحذافيرها، اتقاء لشر فيروسات تنتشر بالملايير على الأسطح والواجهات والمقابض المعدنية ومفاتيح النور، وعلى الأبواب والسيارات، وفي الأرض، وفي الهواء، وفي كل شيء تقريبا، وتنتظر أول فرصة لاختراق الجسم وقرصنة خرائطه الجينية وأرقامه السرية واحتلاله.
فلا سبيل لنا إلا الاختفاء والابتعاد والتواري إلى الخلف والهروب والكمون حتى تمر الجائحة، وكي لا نترك أي فرصة للفيروس للانتشار والتمدد والعيش بيننا وفينا إلى الأبد.
هذه قناعتنا في اللحظة العصيبة، أن نبقى متمسكين بخطاب التحسيس والتوعية والتواصل اليومي مع المواطنين، من أجل حمايتهم ودفعهم إلى البقاء مدة أطول في بيوتهم، ولا يغادرونها إلا للضرورة القصوى، حتى ننجح جميعا في تجاوز هذه المحنة المشتركة وتعود الحياة إلى طبيعتها في القريب العاجل.
ومؤكد أن دورة الحياة لن تعود كما كانت في السابق، بعد أن وضعنا كائن غير مرئي وجها لوجه أمام حقيقتنا، وعرى عيوبنا وأخطاءنا الفادحة، وأظهر لنا كم نحن (مجتمعا وحكومة)، صغارا أمام رهانات كبرى وامتحانات فشلنا فيها سابقا وندفع كلفتها اليوم غالية:
-الكلفة الأولى، تتعلق بورطة نظامنا التربوي والتعليمي، الذي ظل مهندسوه، من الاستقلال إلى اليوم، يعتمدون مقاربات غريبة تكرس منطق الحفظ والاستظهار والنقاط والنجاح والمرور إلى القسم الموالي، دون أن نتأكد فعلا أننا نبني إنسانا مغربيا واعيا بالتزاماته وحقوقه وواجباته، ومستعدا لحماية نفسه ودولته ومجتمعه في الأوقات العصيبة.
فحين يرفض عدد من المواطنين الدخول إلى منازلهم والاحتماء بها من فيروس قاتل، لا يعني بالضرورة أنهم مستهترون، بل لأنهم لا يدركون، عن جهل، حقيقة المخاطر التي تتربص بهم، وعقول كثير منهم برمجت على الخرافة والفكر الغيبي والشعوذة.
-الكلفة الثانية، تتعلق بتواضع المنظومة الصحية التي كانت تتذيل لسنوات اهتمامات المسؤولين، ويُرمى لها بالفتات من الميزانيات والإمكانيات، ما ندفع ضريبته اليوم غاليا، إذ كان ممكنا أن توجه ملايير صندوق مواجهة الجائحة إلى تقوية الاقتصاد وإنقاذه من السقوط، عوض صرفها في شراء الأسرة والمعدات وأجهزة التنفس الاصطناعي ومعدات الكشف والتحليلات.
-الكلفة الثالثة، تتعلق بفشل مشاريع السكن الموجه إلى الفئات ذات الدخل المحدود، التي انطلقت منذ عقود، وأدت فقط إلى اغتناء منعشين عقاريين، استفادوا من العقارات والإعفاءات الضريبية، دون أن ينعكس ذلك على آلاف المواطنين، نطلب منهم، اليوم، اعتقال أنفسهم في جحور وغرف ضيقة وبراريك، ونحن ندرك صعوبة المسألة.
-الكلفة الرابعة، سيطرة القطاع غير المهيكل على الاقتصاد الوطني، وهذه معضلة كبيرة لم تكن تظهر لنا لولا وصول الوباء، الذي كشف للجميع أن آلاف المغاربة يعيشون على الهامش، برواتب هزيلة يومية، دون تغطية اجتماعية، أو حماية، ما تنكب الدولة على معالجته، بفتح إمكانية التضامن عبر صندوق مواجهة كورونا.
هذه بعض الدروس الأولية، فقط ينبغي أن تسجل جيدا في أجندات المسؤولين للمرحلة المقبلة.
فليس هناك، اليوم، أحسن من كورونا كي يقدم لنا تشخيصا علميا دقيقا لأوضاع المغاربة، وتقييما “نزيها” للسياسات العمومية المعتمدة منذ عقود.
فـ “كوفيد 19” عرى عيوبنا، وكشف عوراتنا، فسقطت ورقة التوت.
وظهر الوجه البشع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق