fbpx
ملف عـــــــدالة

السطو على البنوك دخيل على الجريمة بالمغرب

الدكتور الهادي يرى أن الظاهرة تبقى محصورة وهي محاكاة أفعال سطو افتراضية أو متخيلة

يرى الهادي الهروي، دكتور في علم الاجتماع، أنه بتزايد تحول البنيات السوسيو اقتصادية للمجتمع المغربي تزايدت ظاهرة الميل إلى الاستهلاك  والرغبة في الحصول على المال والثروة والاغتناء. ويضيف الباحث في السوسيولوجيا أنه بحكم النمو الديموغرافي السريع الذي لا يواكب النمو الاقتصادي، ضعفت آمال النشيطين والشباب في إيجاد فرص الشغل حتى بالنسبة إلى الخريجين من المعاهد العليا المصنفة التي كان يحسب لها ألف حساب، أما الشباب من دون مستوى البكالوريا أو الشهادة الثانوية أو غير المتمدرس، فلا يسعهم إلا قضاء وقتهم نياما نهارا ليسهروا ليلا في الأزقة والشوارع. وبالتالي، فلا غرابة إذن من أن تظهر سلوكات منحرفة تتراوح أهمية خطورتها بين تعاطي المخدرات والاغتصاب والنصب والسرقة البسيطة والعنيفة المؤدية إلى الجرم والقتل والتهديد والسطو على البنوك بالسلاح الأبيض أو الناري…
قال الهادي الهروي إنه من منظور النظرية التفاعلية في علم الاجتماع يمكننا القول إن السطو على البنوك لا يمكن أن يكون إلا محصلة للحرمان، فهو نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية ومؤلمة ووضعية وجودية غير اختيارية لمن يقوم بفعل السطو. من هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار السطو نشاطا طوعيا يختاره الفاعل بمحض إرادته، أو يرجع لمعطيات طبيعية وفطرية. ففي بلد لا يوفر لشبابه الذي يكون في أوج العطاء والأمل فرصا للعمل، ولا يجد فيه من يتحمل هم من يعانون الشقاء الأنطولوجي، ولا يحفظ كرامة مواطنيه،  يبدع الناس طرقا جديدة للاستمرارية والحفاظ على حقهم الطبيعي في الوجود، بغض النظر عما إذا كانت طرقا مشروعة أم لا مادامت الضرورة تلزم الفعل.
وأضاف الباحث في السوسيولوجيا غير أن السرقة فعل تجمع كل  المجتمعات والحضارات والثقافات في العالم على تحريمه، بل تعتبره من أنواع  الجرائم ومنه سرقة البنوك. وسواء كان السطو على البنوك بدافع الضرورة والحاجة الطبيعية أو بدافع إشباع رغبة وملء إحساس بنقص، فإنها تعتبر ظاهرة جديدة ودخيلة على المجتمع المغربي الذي كان اللص فيه يراعي مانعين اثنين: مانع السلطة وعقوبة الحبس. ومانع الفضيحة المخلة بالشرف والكرامة. أما في الوقت الراهن فقد انعدمت لديه كل الهواجس. إنها ظاهرة دخلية بسبب محاكاة سارق البنك لأفعال سطو افتراضية أو متخيلة عبر الانترنيت أو التلفزيون. وقد تكون أيضا بفعل عملية التفاعل مع المنحرفين المتخصصين في السرقة العليا من الأجانب كما هو الشأن بالنسبة إلى المغربي الذي ضبط ضمن عصابة مكونة من 5 أفراد من كبار مروجي المخدرات وسرقة البنوك المقيمين بصقلية والممارسين لعملهم الإجرامي بمنطقة تسكانا بإيطاليا.
وزاد المتحدث ذاته قائلا: “ومن الملاحظ أن السطو على البنوك في الدول اللأروبية يتم في الغالب من طرف  شبكات لها علاقة بالتخطيط ووضع استراتيجيات جديدة في مجال الجريمة والتزوير. وقد تكون جوانب العنف في جرائمهم أكثر تجليا حيث يلجؤون للتهديد بالسلاح الناري وقد تسال فيها الدماء والاعتداء والرهن. إلا أنها عندنا تبقى معزولة وتتم بشكل فردي  وتكون آثارها أقل جسامة وخطورة على موظفي البنك ورواده. إن اللص الذي يسطو  على البنك،  يؤشر على نزعة عدمية تدميرية لذاته، فهو يراهن على منطق الربح أو الخسارة. لكنه يعي أن الخسارة لم تعد تخيفه مادام فاقدا لكل شيء. فحتى السجن أضحى بالنسبة إليه فضاء للمتعة والراحة والضحك واكتساب خبرات ومهارات من طرف سجناء مختلفي الجرائم والإدانات من النشال البسيط إلى المجرم القاتل والسياسي المحنك الرافض واللص الماهر المختلس لميزانيات الوزارات أو اعتمادات اليتامى والأرامل والمتقاعدين أو أرصدة بنكية…».
أما في ما يخص دوافع السطو على البنوك، فيرى الهادي الهروي أن فقد النظريات السوسيولوجية اختلفت حولها، غير أن النظرية القريبة للعقلانية العلمية والأكثر تداولا وتطبيقا هي النظرية التفاعلية التي يؤكد أصحابها على أن المجتمع هو الذي يتحمل نمط السلوك الذي يقوم به من يمارس السطو والسرقة ويفسرونها بتفاوت الجماعات والثقافات، كما يؤكد آخرون على وجود علاقة سببية بين ظاهرة السرقة والسطو على البنوك  وظاهرة الفقر والبطالة والحرمان والرغبة في الحصول على الثروة الهائلة بأقل تكلفة. غير أنني لا استبعد أن تكون فرضية الانتقام من مجتمع لا يوزع ثرواته على الفاعلين فيه بشكل عادل، بل تستفيد من خيراته الشرائح الأكثر حظا وتراتبا في الهرم الاجتماعي، في حين تعاني الطبقة الأكثر تهميشا من الإقصاء بفعل عوامل غير موضوعية وغير طبيعية. ثم، لماذا لا تفسر المسألة أيضا بفرضية الثأر ورفض القانون والمعايير المجحفة وتموقع الأنا في وضعية السلب والنفي، نفي المعايير والأخلاق الوضعية، على اعتبار أن الأخلاق ليست منعا لإحقاق الحق وانتزاع الاعتراف في مجتمع لا متكافئ وغير عادل؟ فليس من العدل أن يكون المجتمع هو من يخلق أسباب السرقة والسطو والانحراف ويعاقب عليها، كما أنه ليس من الفضيلة أن من يسن القانون هو من يخلق ضده ليكون للقانون معنى ومشروعية ولتخترق علاقات السلطة العلاقات الإنسانية، فقيادة الآخرين تشترط الانحراف حتى تمارس السلطة. ثم ألا يمكن اعتبار السطو إدانة أخلاقية لما هو قائم ولا أخلاقي؟ … .
أما الإمكانات المساعدة على السطو على البنوك فيحصرها الهادي الهروي، إجمالا في فساد الكاميرات وعدم صيانتها، وفي الصفقات السيئة المخلة بالالتزامات المبرمة بين البنك وشركة وسائل المراقبة، والإخلال بأداء المهمة المخولة لرجل الأمن الساهر على البنك. كما لا يمكن استبعاد فرضية التواطؤ مع مسؤولين في البنك يوفرون الظروف المساعدة والمال الكافي للسارق. هناك أيضا خلل آلية الإنذار المبكر وعدم مواكبة تطور وسائل المراقبة الخاصة بأمن البنوك، كما هو الشأن في الدول الغربية. وفي ما يخص شخصية الشخص الذي يسطو على البنك، فلا شك أنه يكون قد تلقى تكوينا فرديا أو جماعيا واكتسب بذلك خبرة لتجاوز كثير من المعيقات، أبرزها عائق الخوف، والاعتماد على التخطيط والرصد والمتابعة بارتياد المكان وجمع المعلومات، والجرأة والمخاطرة، وتقبل كل الاحتمالات.
وعليه، يختم الهادي، أنه رغم تزايد السطو على البنوك في الفترة الأخيرة ببلادنا خصوصا بالمدن الكبرى، واستعمال تقنيات جديدة لتنفيذ ذلك بما فيها توظيف السلاح الأبيض أو الناري وأخيرا الملوتوف، فإن الظاهرة تبقى محصورة بفعل يقظة الجهاز الأمني من جهة، ومن جهة أخرى بفعل الفكرة المسبقة على فشل المغامرة لدى المغامر على فعل السطو، الشيء الذي لا يجعلها ظاهرة اجتماعية متميزة.   

المصطفى صفر       

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق