fbpx
حوادثمقالات الرأي

بنجلون: كورونا وجدلية الانتصار والاندحار

المغرب يقف على عتبة الانتصار ما لم تكف بعض جيوب المقاومة أذاها الاعتيادي (2/2)

بقلم: فخيتة بنجلون*

تظافرت جهود النيابات العامة من مختلف محاكم المملكة والمديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي في إطار تعبئة قضائية اقتضتها ضرورة مواجهة الوباء بحكمة وذكاء، وقطع الطريق على بعض مروجي خطاطات الغباء التي يطفح بها العالم الأزرق، إذ تم التصدي لبعض مواطن الصدأ، التي لاقت استهجانا ولم تلق الصدى الذي ابتغاه لها مروجوها، في ضرب سافر للمخطط الوطني لمواجهة الفيروس المستجد والمبادرات التي رامت توفير المواد الغذائية الضرورية وإنقاذ القدرة الشرائية للمواطن، الذي خرجت بعض فئاته للبحث عن كورونا وحجرت على المواد الغذائية بالرفوف، في الوقت الذي كان فيه الصينيون يحجرون على أنفسهم دون مؤونة.
لقد أبانت هذه الظروف عن انخراط باقي الأجهزة في تنزيل مخطط المواجهة والانخراط في العملية الاستباقية وآليات اليقظة الوبائية وانبرى رجال السلطة بشكل خاص للعمل الميداني وبنكران ذات منقطع النظير، ناظم تدخلاتهم قربهم اليومي من المواطن ومعرفتهم بمواطن الخلل والزلل على المستوى الترابي، فقادتها الحملات التحسيسية نحو الأزقة والشوارع ونحو الفئات الهشة والمتشردة، واستتباب الأمن وثني بعض الفئات المارقة لضلوعها في أعمال التحريض على التجمهر والعصيان، وإمعانها في عدم الالتزام بضابط الوقاية والانضباط اللازمين لأوامر السلطة العامة، فضلا عن بعض حالات إهانة هيأة منظمة قانونا، مع ما ترتب عن ذلك من إيقاف المتورطين في تلك الأفعال تحت إشراف النيابة العامة.
بتظافر تلك الجهود ومستويات الانخراط والمبادرات التي نشهدها ونشهد لها بالوطنية الصادقة، يقف المغرب على عتبة الانتصار، ما لم تكف بعض جيوب المقاومة أذاها الاعتيادي وحرصها على تعكير الجو وتخصيب مفاعلات الانفعال والتبئيس والتيئيس، ماضية في بث فكر ظلامي وانهزامي، وإشاعة ثقافة التخبط، والفوضى، والعشوائية، وسوء التخطيط، والارتجال واللاوعي، وغيرها من السلوكات والمواقف، التي لا يستسيغها عقل ولا منطق من نساء ورجال هذا الوطن، الذين أبانوا عن مستويات عالية، تجسدت أساسا في سن حكامة مؤسساتية وصحية وأمنية رفيعة في إدارة الأزمة ومترفعة عن الانتساب لهيأة أو لمنطقة أو لفئة اجتماعية معينة.
بمنظار العلاقات الدولية، وإن سلمنا بمقولة مساهمة التداعيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه الأزمة الوبائية في تدهور أكبر للعلاقات الدبلوماسية، وإضعاف التكامل الأوروبي والتعاون المتعدد الأطراف، فإنها على طرفى النقيض من ذلك، نعتبر أنها ستقوي لا محالة لحمة التكافل المغربي وسداه تحت القيادة السديدة والرشيدة لرئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الملك محمد السادس أمير المؤمنين، حامي حمى الملة والدين، سبط النبي الأمين.
مؤشرات الأداء أشد إنباء من منصات الآراء
الوباء كون مسارات جديدة للفهم والتعاطي مع بعض الظواهر في حينه وإبانه لصوغ استجابة وطنية مشتركة، انخرط فيها الكل، إضافة إلى الحقوقي والقانوني، ورسموا جميعا خطاطات تعزيز قدرات الفعل الجماعي التي تفوق قدرات الفاعل الواحد، وفق آليات استجابة مبكرة ونجاعة غير مسبوقة في استنهاض همم كل القوى الحية لتنبري عن بكرة أبيها، وتصوغ بلاغة الفعل الصائب الذي لا يحتاج بعدئذ لتصويب: فلا مجال للخطأ أو السكون، ولا مناص من المبادرة والمشاورة وإغلاق باب المناورة أمام كل متفيقه، لأن للقضاء اجتهاده المقاصدي بالفهم الذي أسس له الإمام الشاطبي، فأقر القضاء الاستشفاء الوجوبي، ويمكن أن يلجأ لاستصدار قرارات العزل الاتقائي بتنسيق مع أطر الجهات الصحية وبتفعيل للضبط الإداري للولاة والعمال وللسلطات الترابية ورؤساء المجالس المنتخبة في إطار ممارستهم اختصاصات الشرطة الإدارية درءا للمفاسد وتحقيقا للمقاصد.
ثقافة إدارة المخاطر والأزمات بدأت ترتسم وتتجاوز ما وجده الفيروس من خطاطات غير محينة، لم تتجاوز في جلها عتبة الآنية، بعيدا عن الجودة الشاملة التي لم نجدها إلا بعد حين، مع الاستخدام المحتشم للتكنولوجيا و للتحول الرقمي في العملية التعليمية، والحال أنه كان يفترض أن تكون الحكومة برمتها “حكومة الكترونية” وتحرك إلكتروناتها في الوقت المناسب بدلا من الانتظار.
وفي الأخير، تجدر الإشارة إلى أنه رغم أهمية النصوص القانونية المتاحة أو التي صدرت في سياق ظهور وباء فيروس كورونا المستجد بالمغرب، والتي ترمي إلى محاصرة الوباء بسياج قانوني يردع خارقه، ولما لها من دور فعال في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي، يطفو على واجهة الأحداث سؤال مؤداه كيفية مواجهة العوالم الخفية التي يطغى عليها الذكاء الاصطناعي والتوجه العلمي والسرعة والتكنولوجيا والبعد الافتراضي، الذي أضحى محورا لعوالم التواصل والاتصال والمعاملات والسلوكات الإنسانية فردية كانت أم جماعية: هل ستنساق مع التيارات المستقبلية الجارفة أم ستحافظ على الحدود الدنيا للطبيعة والفطرة والثوابت القيمية والأخلاقية للإنسان بما يتماشى وروح العدالة وجوهرها؟
سنترك السؤال مفتوحا ومنفتحا على مشارع إجابات، تظل رهينة بضرورة تعزيز منهجية تشاركية وإستراتيجية شاملة، التي تتناول هذه الآفة البيئية ببلادنا مهمة وطنية بامتياز، تتظافر فيها جهود مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين داخل المجتمع الدولة – القاضي- المجتمع، باعتبار هذا الأخير محكا حقيقيا لتجاوز هذه الأزمة البيئية، على أساس التحلي بحس عال من المسؤولية وبوعي فكري وتضامن إنساني، لعلنا نحفر اسم بلدنا ضمن الدول التي صمدت وخلدت صمودها في سجلات التاريخ المعاصر كما كانت منذ العهد الغابر، وشهد بذلك الغائب والحاضر وصدحت به الحناجر بين السرايا والمنابر.
* طالبة باحثة بسلك الدكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق