fbpx
ملف الصباح

يَـا أَبَـانـَا… الَّـذِي فـِي الـزَّجـَل

لن أختبئ في ضَلال الكلام المسكوك فأكرر عبارات مثل يعجز الكلام، ولا تسعفني الكلمات. على العكس، فالأمر في وضعي يتعلق بالارتباك، لأن قامة شامخة وعلامة فارقة مثل الأستاذ أحمد الطيب العلج تفجر ينابيع القول، المشكل يكمن في كيف الإحاطة بشساعة العطاء الفني، والتمكن من دفق تجلياته عند السي أحمد؟. من أين يأتي المرء بالقدرة ليتحمل ضوء المنارة؟ إن بعُدَ وحدَّق عميت رؤيته وإن اقترب صار ظلا.
سألجم نفسي المتوثبة عن الحديث عن علاقتنا التي ابتدأت تنتظم في 1976 حيث كنا نسكن الحي نفسه، وكان السي أحمد جار القلب، ولا عن سعادتي كطفل بلقائه، وكيف أصبحت أزوره باستمرار في البيت وأستشيره في خربشاتي، أو في مكتبه بإدارة المسرح الوطني محمد الخامس، حيث كان مسؤولا عن الفنون الشعبية، ولا عن رئاسته لجمعية الآباء في الثانوية التي كنت أدرس فيها، وكيف أحبط حملة التوقيعات ضد الأساتذة النقابيين، ورفض الدخول في مؤامرة دنيئة، ولا عن كيف كنت أمده بنصوصي الأولى ويدي ترتعش وبصري خفيض، ولا عن ترديده: ستكون أنت امتدادي الحقيقي، فدوِّنْ وارو عني .. وهذا كلام – أيقونة يقوله شيوخ الكلام لتلامذتهم الذين يرون فيهم وعداً إبداعيا. ولن أتحدث عن ثقته في وأنا ما زلت أحبو في أرض الكتابة ليطلعني على مسرحياته التي لم يجف مدادها بعد، ولا عن خساراته والغضب اللذين تعرض لهما بسبب دعمه لأحد المرشحين اليساريين في أواسط السبعينات من القرن الماضي …
وسأجانب الصواب إن انزلقت إلى سرد سيرة أستاذي السي أحمد الطيب العلج و تعداد منجزاته فهي بالغزارة والغنى اللذين لا يتسع الوقت لهما، ولكني أفضل التوقف عند بعض المفاتيح التي نلج بها إلى دروس نتعلمها منها «السيرة والمنجزات» خاصة الأجيال الجديدة. أليس الفن متعة وتربية؟.
فكثيرة هي الجوائز والأوسمة والتكريمات التي حظي بها عن استحقاق وجدارة، ولكني سأتوقف عند لحظتين دالتين وهامتين بالنسبة إلي، أولاهما: …في بداية الاستقلال حاز السي احمد مع مسرحية «الشطاب» على الجائزة الأولى في المهرجان الدولي للمسرح بفرنسا، وكانت اللغة التي كتبت بها المسرحية هي العامية المغربية… وثانيتهما: توج في دمشق بوسام الاستحقاق الرفيع أمام عمالقة المسرح في الأقطار العربية (في السبعينات من القرن الماضي) وكانت مسرحية «حليب الضياف» كتبت بالعامية المغربية. والدرس هنا هو: احتفى السي احمد بالعامية فجازته، رفع قيمتها وحقق لها الاعتراف فمنحته اعتراف واحتفاء العالم.
لم يأت السي احمد «نازلا بمظلة من عل» إلى الإبداع، فبيت الوالد كان ناديا يلتقي فيه منشدو الملحون وأهل الذكر، ومن هنا ارتوى الطائر المغرد، ومن هذا الحقل رشفت النحلة الرحيق، ومن هنا التقى النشيد الوجداني وعسل الكتابة في كيان السي أحمد، ولا ننسى مرددات ومحكيات الوالدة وفضاء الحلقة، وحسب علمي، و من غيره سمعت، أنه نظرا لخجله وعفته لم يكن يطلع الكثيرين على أزجاله وحواراته الأولى، لكن فرقة المعمورة الرائدة وجدت فيه ضالتها عندما عثرت على كنز كان وسطها، فأغنت تجربتها بكتاباته وأزجاله. وقد يبدو للمتسرع أن أبا السي احمد الفني هو التراث الملحوني والحلقة وليالي فاس وتقاليدها، أنا أقول إن أباه الفني هو المغرب العميق برحابة مشهده الثقافي وشساعة تنوع مكوناته ومتانة جسوره الحضارية مع الذات والآخر. فإذا اعترفنا للمغرب بعبقريته، فإن السي احمد أحد تجلياتها. والدرس هنا هو: إنه كالمعدن النفيس يكمن في الظل، وعندما يخرج للضوء يسطع لمعانه ويشع، عكس من يتقافزون مثل قناديل الأعشاب في الليل، فإذا أشرقت الشمس احترقت واندثرت.
امتهن السي احمد في بداية شبابه النجارة، وربما تعلم من مهنته تلك، كيف يهب من الفناء وجودا آخر، فموت الشجرة يقودها إلى أن تكون أحيانا بيد نجار ماهر، فيخلق من خشبها أشكالا تركب لتعطي كياناتٍ استعمالاتها شتى، تنفع وتمتع، وكذلك هي الكلمات في جمودها و»خاميتها» موت، وفي الإبداع والتواصل ينفخ فيها بالحياة. وعندما تجتمع الصنعة والمهارة والمخيلة والذاكرة، فإنها تصهر وتصقل وتمنح من العادي جميلا استثنائيا ومدهشا.
ولما انتقل السي أحمد إلى الإبداع لم يكتف بالشفوي ليبقى مرجعه الوحيد، ولكنه كوَّن نفسه وطور معارفه ومداركه واطلع على الموروث الإنساني في تنوعه وأغنى به ثقافته العربية. والدرس هنا هو: أن عصاميته لم تعقه عن التكوين فيركن إلى خانة الزجال الفطري (غير المتعلم)، بل ضاعف سرعة التحصيل لينخرط في فضاء الثقافة العالمة الحاضنة للثقافة الشفوية، وهنا كانت العصامية وعشق الإبداع حافزين للصعود و الترقي في مدارج الفن والمكانة الاعتبارية والرمزية، ولا أقول الشهرة فالكثير فيها لصيق بالرداءة وتدني المستوى.
أصبح الأستاذ أحمد الطيب العلج علامة تتقاطع فيها الأصول مع التطور، الجذور مع الامتدادات، الثوابت مع الإبدالات، العتاقة مع الجدة، اكتناز المرجعيات مع السعي إلى الفرادة وصنع البصمة الشخصية…
بعفوية تخطى إشكالية «أن تبدع مجازاتك من لغة متشبعة ونابضة بالمجازات، ويلتبس فيها المباشر الخام بالمُرمَّز المنحوت». تجاوز سؤال تحويل المألوف مغايرا، والهامشي مدهشا، والشعبي أنيقا وجذابا. وأقحم «لغة العامة» في فضاءات مسورة بالقداسة والفخامة، وخلق للعامية صداقات اخترقت سمك حواجز الارستقراطية والنبالة، وأدخل إلى أذواق»هم» بساطة ما هو شعبي وكشف لهم جمال وشعرية العامية وسحرها .
الشاهد هو أنه عند انطلاقته العفوية لم يكن أمامه تراكم عصري، ولم يكن أمامه إلا الموروث التقليدي مثل الملحون والأندلسي والعيطة وأحواش أو النموذج المشرقي، فمن حيث يدري أو لا يدري، أو ربما وجَّهته بوصلته الباطنية إلى ورطة التأسيس لتجربة كان لها تأثيرها سواء في المسرح أو الزجل، والذي يعنيني في هذا المقام هو الزجل. سأظل أكرر القول: كان الملحون بمثابة المعلقات وما أبدعه السي احمد و من سار على دربه بمثابة تجربة البعث في الشعر العربي، فخرجوا بالقول الزجلي من الانحطاط والجمود والاجترار بإحياء المُشرِقِ في التراث للتعبير عن روح العصر برؤية جديدة، وبذلك كانت له الريادة. والدرس هنا هو: أن الريادة لا تكون بقرار أو إرادة شخصيين، أو بإلحاح من رغبة أو نزوة، لكنها تتويج للسباقين في اكتشاف مغالق وغيب الإبداع و الخروج به من حال إلى حال، أي صنع ولادة جديدة.
ختاما أتوجه إلى سيدي حبيبي وأستاذي : قيل في المسرح: كلهم خرجوا من معطف غوغول، ونحن في الزجل المغربي، أقول، إن الجيل ما بعد ريادتك، خرج من جبة أحمد الطيب العلج. ونحن نبجلك على الطريقة المغربية: اعزل، استقل، اختر طريقك ولكن لا تفرط في طاعة الوالدين. فأنت أب اختارك الزجالون الجدد وبذلك فهم ليسوا يتامى في سلالة الكتابة بالعامية. وكما تعلم فالأبناء مشاغبون، فارضَ عنا يا أبانا الذي في الزجل.

أحمد لمسيـح, الكلمة التي ألقيت في اللحظة التكريمية للراحل أحمد الطيب العلج، يوم 15 يناير الماضي، في المهرجان العربي الثاني للزجل بأزمور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق