fbpx
ملف الصباح

الطيب لعلج… من نجار إلى صانع نصوص لا تفنى

قال مسعود بوحسين، رئيس النقابة الوطنية لمحترفي المسرح إن الساحة الفنية فقدت فنانا من درجة عالمية، مؤكدا أنه من الشخصيات التي لن تموت لأنه استطاع أن يجمع بين ما هو محلي وكوني، انطلاقا من تشبعه بالثقافة الشعبية  وأيضا اعتماده تقنية الاقتباس.
وصف مسعود بوحسين في تصريح ل»الصباح» رحيل أحمد الطيب لعلج بالخسارة الكبيرة في الحقل الثقافي المغربي والعربي، باعتباره رجلا متعدد المواهب ويمثل في اعتقاده امتداد التيار الإصلاحي التنويري قبل الاستقلال، والذي استمر إلى ما بعده. واسترسل مسعود بوحسين قائلا إن فلسفة الطيب لعلج تتجلى في أن تغيير الواقع رهين بتغيير العقل، لذلك فإن أعماله المسرحية تندرج في هذا الاتجاه.ويرى مسعود بوحسين أن مسرح الطيب لعلج له خصوصية متفردة إلى درجة أنه بمجرد ما يقرأ نصا مسرحيا له يعرفه حتى قبل معرفة اسمه.
ويعد أحمد الطيب لعلج علامة من علامات لا يمكن تجاوزها في تاريخ المغرب، إذ كان المسرح المغربي في حاجة إلى كاتب كلاسيكي تستطيع أعماله أن تدوم أجيالا طويلة، لا أن توضع في سلة المهملات، على حد قول مسعود بوحسين.
ولأحمد الطيب لعلج أسلوب خاص في ما يتعلق بالبنى الدرامية للمسرحيات والحوارات، كما أنه يعد من الكتاب الذين اهتموا بالعامية المغربية، لذلك فكتابته تنعت ب»العامية الفصيحة»، حسب بوحسين.
«من خلال تجربتي معه في المسرح وقفت على عظمة شخصية أحمد الطيب لعلج» يقول مسعود بوحسين، مضيفا أنه «أثناء عرض مسرحية «الهواوي قيد النسا» بعمان دهشت لتجاوب الجمهور مع العمل المكتوب بالعامية، الأمر الذي يعكس توفقه في انتقاء كلمات بالدارجة».     
وقال بوحسين إن لعلج «رجل بصيغة الجمع فهو الممثل البارع والشاعر الشعبي الذي ربما يملك القسط الأوفر في كل ما راكمته الأغنية المغربية من تألق».
واسترسل أنه «يعد المؤلف الدرامي الذي تشير كل القرائن المتوفرة الآن إلى أنه من أغزر الكتاب الدراميين المغاربة إنتاجا سواء بالمسرح الحي أو الإذاعي، سواء تعلق الأمر بأعماله التي قدمت على خشبة المسرح، أو تلك التي بقيت مخطوطات في أرشيفه الخاص الذي يحفظه بعناية فائقة”.
“مسار فني متميز، بدأ بالفطرة والسليقة ليصل إلى مرحلة امتلاك ناصية تقنيات الكتابة الدرامية”، هكذا وصف مسعود بوحسين تجربة الراحل أحمد الطيب لعلج في المجال الفني.
ولا يمكن الحديث عن أحمد الطيب لعلج، حسب رئيس النقابة المغربية لمحترفي المسرح دون الإشارة إلى تحوله “من نجار وخضار لا يعرف الكتابة والقراءة إلى متعلم لا يفارقه القلم والكتاب”.
وكان عشق أحمد الطيب لعلج للحكي الشعبي نابع من شغفه في طفولته بالاستماع إلى حديث النساء اللواتي كن يترددن على بيت العائلة، وقال عنهن مسعود بوحسين إنهن “لعبن دورا كبيرا في تشكيل وتطوير خياله الفتي، خيال عمدته الحكايا والخرافات الشعبية وفنون القول والدعابة والألغاز والمأثورات الشعبية”.
وانعكس ذلك، حسب مسعود بوحسين، على خصوصية كتابات أحمد الطيب لعلج المسرحية، إذ استقى عوالم أعماله من جلسات الحكي للنساء المترددات على منزل عائلته خاصة، على حد قوله “ثلاث نساء لعبن في حياتي دورا كبيرا: “لالة عز الناس”، شريفة إدريسية من مدينة زرهون ولالة سعود الإدريسية ووالدتي لالة زهور اللبارية”.
وقال الراحل أحمد الطيب لعلج عن هؤلاء النساء “علمني كيف أروي ما أسمع بدقة متناهية وبحرص على أن أجمع كل عناصر القص التي كنت أسمع منهن٬ ولكن والدتي كانت تمتاز بأنها لم تكن تحكي القصة مجردة٬ بل كانت تقدم لي نموذجا للتمثيلية القصيرة المحبوكة والمطروزة…تعلمت منها فن الحوار وتعلمت منها ديباجة الكلام وكأنه شهد مقطر”.
ويؤكد بوحسين أن الطيب لعلج تأثر كذلك بفن «الحلقة» نتيجة مواظبته على الاستمتاع بأجواء الفرجة في ساحة قريبة من محل سكناه، حيث كانت تتحول الدكاكين إلى فضاء للحكي والغناء.
ويلتقي أحمد الطيب لعلج وموليير في شيء واحد يتمثل في جذور مسرحهما الشعبي، حسب تأكيد مسعود بوحسين في تصريح ل»الصباح»، إذ لم يكن لقاء لعلج بموليير، حسب تعبيره، إلا بمثابة اكتشاف لرجل عملاق طور تجربته ووجد ضالته في كتاباته المسرحية، التي تبدو وكأنها مغربية.
والشخصيات التي كانت مصادر موليير في كتاباته مثل «أرلوكان» انعكست تصرفاتها على شخصيات وأبطال مسرحيات الطيب لعلج مثل «جحا» و»حديدان»، التي تميزت بذكائها ودهائها وتعتبر قادرة على قلب المواقف.
ومسرح أحمد الطيب لعلج ذو توجه إصلاحي تنويري ما جلب عليه كثيرا من الانتقادات خاصة في فترة السبعينات لأنه تناول في أعماله قضايا سياسية وغيرها مثل انتقاده التوظيف المسيء للدين في مسرحية «ولي الله»، وشجاعته في انتقاد رجال الدين والزوايا.
ولم يقتصر الأمر على حد الانتقاد، إذ تلقى تهديدات بالقتل من قبل مجهول كان يبعث له رسائل، لأنه تجرأ على مناقشة المقدس في المسرح، كما كان من الصعب أن يفهم الفكر المنغلق في تلك الفترة انتقاده للسلوك وليس العقيدة.
وعذب أحمد الطيب لعلج في بداية مساره الفني بعد تقديمه مسرحية «الحاج بناصر»، لتقديمه أسماء حقيقية للمقيم العام الفرنسي ومساعديه، فتم اعتقال كل أفراد الفرقة مباشرة بعد العرض ودونت أسماؤهم في اللائحة السوداء لمنعهم من العرض مرة أخرى.
ولمواصلة عطاء لعلج وأعضاء الفرقة العمل اضطروا إلى حمل اسم ثلاثي بإضافة أسماء آبائهم إليها فأصبح منذ تلك الفترة يحمل اسم والده الطيب بدلا من أحمد لعلج.
«فضل أحمد الطيب لعلج أن يموت ميتة الكبار» يقول مسعود بوحسين، فقد ظل يواصل عطاءه رغم أنه مريض وواصل كتاباته حتى آخر لحظات عمره، إذ من الأعمال التي اشتغل عليها، أخيرا، مسرحية «توبة الشيطان» وقصائد في مدح الرسول الكريم.

أمينة كندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق