fbpx
افتتاحية

تفاديا للكارثة

لا معنى لكل هذا الذي يجري في المغرب، ما دام المواطنون يشعرون أن هناك سدودا من اللاثقة، تحجب علاقاتهم بالحكومة والإدارة والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والفاعل السياسي والاقتصادي.
ولا معنى أيضا، أن نبذل مجهودات في إعداد تصور جديد “لنموذجنا التنموي”، دون إنجاز تشخيص “علمي” ينطلق من طرح الأسئلة الحقيقية حول أسباب العزوف العام للمواطنين عن الشأن الوطني العام بمختلف تمظهراته، ودون إيجاد إجابات ومداخل لمعضلة بنيوية يشكل استمرارها خطرا على الجميع.
ولا معنى في مقام ثالث، أن نستمر في الأوراش ووضع المخططات والمشاريع والتخطيط، قبل أن نتأكد أن المواطن الذي يشكل محور كل ذلك، يثق أولا في وزرائه ومديري مؤسساته العمومية، ورؤساء جماعاته الترابية، ثم يثق أيضا في منتخبيه وأمناء أحزابه ونقاباته ومستثمريه وأرباب القطاع الخاص، وفي قضاته وأساتذته وفي مستشفياته وأطبائه.
فقد تتحمل الدولة كل شيء، إلا أن يتحول المواطنون إلى كتلة متجانسة من اللامبالاة واليأس والتيئيس واللاثقة، بعد أن كونوا فكرة رهيبة، على مدى سنوات، مفادها أن “أبناء عبد الواحد كلهم واحد”، أو “لا ثقة في أولاد عتيقة”، وغيرها من مفردات التعبير الشعبي المفعمة بدلالات تمتح معانيها من الواقع المعيش، ومن توالي التجارب والعاهات التي جعلت الكل يشك في الكل.
إن ما يجري اليوم من محاكمات ومتابعات وتوالي فضائح الفساد المالي والإداري و”البيع والشراء” في السياسة والصفقات العمومية والأراضي والعقارات والمقالع والرخص بأنواعها وفي جميع القطاعات، لا يمكن أن يترجم لدى المواطنين إلا باعتباره نظاما قائما على الريع والامتيازات والتوزيع غير العادل للثروة تستفيد منه فئة منعم عليها من المغاربة.
ويذكي هذا الاقتناع، أفكارا أخرى أشد خطورة على المجتمع الذي قد ينقسم، في أي وقت، إلى قبائل صغيرة متناحرة، بين فئة تعرف “من أين يؤكل الكتف”، وراكمت ثروات وأموالا من قربها من دوائر النفوذ الاقتصادي والسياسي والإداري، وبين فئات أخرى تعيش أنواع الإقصاء وغياب القانون وانهيار منظومة الحقوق الأساسية في الصحة والتعليم والشغل والعيش الكريم، وفي قضاء مستقل وإدارة فاعلة دون رشوة أو وساطة.
ولعل الأرقام التي تصدر، بين الفينة والأخرى، عن مؤسسات ومكاتب بحوث ودراسات أكاديمية حول منسوب الثقة لدى المغاربة، تعطي فكرة عن الوضع الذي وصلت إليه شرائح واسعة من المواطنين، أغلبها يلوذ بمواقع التواصل الاجتماعي من أجل “التنفيس”، بعد أن أغلقت جميع مؤسسات الوساطة الأخرى أبوابها في وجوههم.
ونعتبر أن الانتباه إلى هذا التحول الجذري في المجتمع، أول مدخل تنبغي معالجته والتصدي له في أية مقاربة للإصلاح، وأن يكون نقطة أساسية وحيوية في النقاشات والاستشارات المفتوحة اليوم حول إعداد مشروع النموذج التنموي الجديد.
فإما أن نبني على أسس صحيحة من الثقة وتكريس الإحساس أن الجميع سواسية أمام القانون، أو ننتظر الكارثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى