fbpx
افتتاحية

استثناء وليس “همزة”

تخلف تحركات مسؤولين كبار في وزارة الداخلية (منذ انفجار اختلالات المحطة السياحية بتغازوت)، انطباعا “غير مطمئن”، مفاده أن العيب يكمن، بالضرورة، في القوانين والمساطر والإجراءات، وليس في بعض الولاة والعمال ورؤساء جماعات ومديريات وأقسام ومصالح وقطاعات، الذين أساؤوا استعمالها وتواطؤوا على خرقها والاستهتار بها.
فقد يحدث أن تتخلل عيوب ونواقص وتناقضات، بين النص والممارسة، بعض فصول القوانين والمساطر، وهذا شيء وارد جدا، لكن ذلك لا يمنح أي سلطة أخرى، غير المؤسسة التشريعية، حق التصرف في هذه القوانين، حسب مزاجها، أو تُبخسَها، وترميها في سلة المهملات متى شاءت، أو تعتبرها في أحسن الأحوال الشيطان الأكبر، الذي ينبغي قطع رأسه.
إن المسطرة الإدارية للاستثناء في مجال التعمير، أو ما يعرف بالرخص الاستثنائية، التي تحملها وزارة الداخلية أوزار الاختلالات الكبرى في ضواحي المدن وفي مشاريع البناء وتنفيذ مخططات التنمية، ليست “جريمة”، كما يريد البعض أن يصورها، اليوم، بل هي بمثابة قانون (صدر في شكل 5 دوريات وزارية على الأقل)، وضعته الحكومات المتعاقبة منذ السبعينات، وسهرت على تطبيقه ورسمت له عددا من الأهداف والإجراءات في المديين المتوسط والبعيد، وعملت به في العلن، وليس في “الخفاء”.
وبفضل هذه الآلية، استطاع المغرب تخطي العقبات، التي كانت تعترض مئات المشاريع الضخمة المتعثرة (المدن الجديدة- المجمعات الصناعية – العقارات اللوجستيكية -المنشآت السياحية – المجمعات العقارية المرتبطة بالسكن الاجتماعي- التجهيزات السوسيو- جماعية وغيرها)، كما نجح في تحقيق قدر من الشفافية والمرونة في برامج التنمية المرتبطة بالتعمير، وتكييف المقتضيات التنظيمية مع خصوصيات الأراضي والمواقع المعنية، مع تدارك التأخير في إعداد وثائق التعمير والتعقيدات الإدارية المرتبطة بالحصول على رخصة البناء.
والأهم من ذلك، أن تنزيل مقتضيات وضوابط المسطرة الإدارية للاستثناء في مجال التعمير جهويا، منذ 2010، فتح أجواء الثقة بين المستثمرين والدولة، وساعد على تدفق رؤوس أموال جديدة ومهمة (من المغرب والخارج) إلى قطاع البناء والتجهيزات والبنيات التحتية، ومرافق التعليم والصحة والطرق، التي استفادت منه جماعات ومواطنون، وساهم في إطلاق دينامية التشغيل، وإحداث نمو في عدد من المناطق، والأرقام خير شاهد على ذلك.
ولأن أي أداة قانونية لا تخلو من عيوب وأعطاب واستغلال وتحايل ونصب، ومحاولات تحريف عن الأهداف العامة لقضاء المصالح الخاصة، فإن الذكاء الإداري كان ينبغي أن يغلب كفة المكتسبات من رخص الاستثناء، ويعمل على تطويرها والدفاع عنها، إلى حين إصدار قوانين قارة، بدل الترويج أنها مجرد “همزة” بيد ولاة ومنعشين عقاريين وأصحاب شركات.
ولا نحتاج إلى التذكير أن “تفكيرا” قاصرا من هذا النوع، لن يصب إلا في مصلحة العدميين والمخربين والانتهازيين، الذين لا تهمهم الرخص والتعمير والبناء والمشاريع، بل “عينهم” على توقيف عجلة الاقتصاد والاستثمار وهروب الرأسمال، وإيقاظ الفتن الاجتماعية، وإعطاء “حجة” للبعض للخروج مجددا إلى الشارع.
إن الخطر لا يأتي أحيانا من جهات خارجية، بل من “موالين الدار”.
وهنا مصدر القلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى