حوادث

البعلي: التجربة كشفت نواقص مدونة الأسرة

الباحث البعلي قال إن التعديل أصبح ضرورة وطالب بمأسسة الحضانة واعتماد نظامي المساعدة القانونية والوساطة الأسرية القضائية

أجرى الحوار: الصديق بوكزول

كشف عبد العزيز البعلي، باحث بسلك الدكتوراه، مهتم بقضايا الأسرة والطفل، العديد من النواقص التي كشفها تطبيق مدونة الأسرة على مدى 16 عاما، كما قدم مجموعة من المقترحات التي من شأنها تعزيز حقوق الطفل وحماية الأسرة. في ما يلي نص الحوار:

> فتح نقاش على نطاق واسع من أجل تعديل قانون مدونة الأسرة بعد مرور حوالي 16سنة عن دخول هذا القانون حيز التطبيق كيف ترون هذه التجربة؟
> بداية ينبغي ألا ننسى أن صدور قانون مدونة الأسرة خلال 2004، شكل حدثا تشريعيا وحقوقيا بارزا تلقته ببالغ الارتياح. والآن بعد مرور حوالي 16 سنة من تطبيق بنود المدونة، وبحكم أن الواقع متغيرو متجدد، طبيعي أن تبرز بعض النواقص والإشكالات، وأن يتجدد بالتالي النقاش العمومي حول حتمية تعديل المدونة لملاءمتها مع هذه المستجدات والمتغيرات .
وقبل التطرق لنواقص المدونة أود أن أقف عند الإيجابيات التي أفرزتها التجربة، فقد حملت المدونة مستجدات ذات بعدين اجتهادي وحداثي. يكمن البعد الاجتهادي، في أنه وخلافا لقانون الأحوال الشخصية، لم تقتصر المدونة على المذهب المالكي، بل اعتمدت باقي المذاهب الفقهية تبعا لما اقتضته المصلحة الشرعية، حسب مدلول المادة 400 من المدونة.
في حين يتجلى البعد الحداثي في تبني المشرع لخطاب حديث بدل المفاهيم التقليدية التي كانت تمس بكرامة وإنسانية المرأة من قبيل جعل الأسرة تحت رعاية الزوجين، وجعل الطلاق بيد الزوجين معا تحت رقابة القضاء، وتنظيم مسألة تدبير الأموال المشتركة بين الزوجين، وحماية حق الطفل في النسب أثناء الخطوبة، واعتبار النيابة العامة طرفا رئيسيا في كل ما يتعلق بتطبيق بنود المدونة..
ومن إيجابيات تجربة المدونة كذلك، استحداث أقسام قضاء أسرة، مع العلم ان مشكل التخصص في قضاء الأسرة ما زال مطروحا و بحدة، بحكم أن القضاة، رئاسة ونيابة عامة، يضطرون الى الاشتغال بشعب أخرى لقلة الموارد البشرية وتعدد المهام وكثرة الملفات.
> ماهي في نظركم المعيقات والمشاكل التي تحول دون الارتقاء بالأداء إلى المستوى المنشود؟
> يجب الاعتراف أن تجربة المدونة أبانت عن بعض القصور الناجم عن بعض الإكراهات، منها ما هو قانوني يتطلب تدخلا تشريعيا، إذ بات من الضروري مثلا العمل على مأسسة الحضانة لتنظيم الزيارة وصلة الرحم، واعتماد نظامي المساعدة القانونية والوساطة الأسرية القضائية، على غرارما عليه الأمر في بعض الأنظمة القانونية والقضائية، وإحداث مكاتب ومراكز للوساطة والاستشارات الأسرية بمحاكم المملكة، للعمل على إيجاد تسويات للمنازعات الأسرية قبل اللجوء الى القضاء.
إلى جانب هذه المعيقات التشريعية تنهض إكراهات أخرى متصلة بالموارد البشرية، ترجع بالأساس إلى الخصاص الذي تعرفه مجمل أقسام قضاء الأسرة في عدد القضاة والموظفين رئاسة ونيابة عامة، بالإضافة الى ضعف التكوين التخصصي والتأطير في مجال حماية الأسرة والطفل.

> رجوعا الى موضوع النيابة العامة، ماهي في رأيكم فلسفة المشرع في جعلها طرفا أصليا في قضايا الأسرة ؟
> في نظري، يبقى أهم وأبرز تعديل أتت به المدونة هو ما نصت عليه المادة الثالثة من اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في هذا النوع من القضايا.ولاشك أن هذه الإشارة التشريعية القوية التقطتها بعض النيابات العامة، وترجمتها بكل قوة على أرض الواقع، من خلال ما تقوم به من أدوار قضائية وإدارية حماية للأسرة والطفل ودفاعا عن مصالحهما الفضلى في مجالات متعددة (النسب ، الحضانة ، والتعليم…)،واستطاعت بذلك أن تقدم إضافات نوعية على مستوى أداء المحكمة، بعيدا عن تلك الصورة النمطية التي لازمتها لمدة طويلة.

> في رأيكم، هل عرفت النيابة العامة تطورا ملموسا بعد استقلالها عن وزارة العدل ؟
> لابد من الإشارة في هذا الصدد، الى القفزة النوعية التي عرفتها النيابة العامة بعد انتقال رئاستها الى الوكيل العام لدى محكمة النقض، من خلال العديد من المبادرات التي تعكس مدى الاهتمام البالغ الذي توليه لقضايا الأسرة والطفل، فكل المؤشرات تبرز الإرادة القوية في تحسين وتطوير وتجويد أداء مجموع النيابات العامة في المجال الأسري بما يتلاءم مع وضعها المسطري المتميز، ويكفل اضطلاعها بمسؤولياتها الجسيمة في هذا المجال، بدءا بإحداث وحدات متخصصة تعنى بقضايا الأسرة والطفل، وحماية الفئات الخاصة ضمن التنظيم الهيكلي لرئاسة النيابة العامة، كوحدة تدخل النيابة العامة في قضايا الأسرة ووحدة تتبع قضايا الطفولة ووحدة تتبع قضايا المرأة، ومرورا بإصدار العديد من المناشير والرسائل الدورية المؤطرة لعمل النيابات العامة والتي تروم توحيد مناهج العمل والرفع من النجاعة في الأداء.
وانتهاء بانفتاح رئاسة النيابة العامة عن كل المبادرات البناءة الرامية إلى إيجاد الحلول المناسبة لمختلف الإشكالات القانونية والعملية المتصلة بمجال الأسرة والطفل.

> هل سيكون تعديل المدونة المرتقب حلا لمشكل الأسرة والطفل؟
> لا يخفى عليكم أنه رغم أهمية المقاربة التشريعية والقضائية في تقديم الحلول لبعض الإشكالات القانونية والعملية المتعلقة بقضايا الأسرة،فإنها تظل عاجزة عن إيجاد حلول ناجعة لكل مشاكل الأسرة والطفل في غياب مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للموضوع … طالما أن قضايا الأسرة تعد شأنا مجتمعيا بامتياز و تتطلب انخراط الجميع في هذا الورش الإصلاحي الكبير، سواء تعلق الأمر بالأسرة أو المؤسسات التعليمية أو الإعلامية أو بجمعيات المجتمع المدني أو السلطات العمومية، على نحو بات معه من اللازم تنزيل المقتضيات الدستورية بشأن المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة لما له من أهمية إستراتيجية في هذا المجال.
> صدر لكم حديثا كتاب حول دور النيابة العامة في مجال الأسرة، ما الذي سيضيفه لإغناء حقوق الطفل والأسرة؟
> أصدرت مؤلفا جديدا تحت عنوان “النيابة العامة وقضاء الأسرة بين نصوص المدونة والعمل القضائي”، وهو محاولة متواضعة لتقييم تجربة النيابة العامة ضمن أقسام قضاء الأسرة، من خلال إبراز المجهودات الكبيرة المبذولة في هذا المجال، خاصة أن أغلب الكتابات ركزت بالأساس على أداء قضاة الأحكام دون أن تهتم كثيرا بعمل النيابة العامة.
ويأتي هذا الإصدار في ظل معطيات أساسية مرتبطة باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، وتنامي الأصوات المطالبة بضرورة تعديل مدونة الأسرة، لجعلها قادرة على استيعاب النقاشات الفكرية العريضة والتحولات المجتمعية العميقة، على نحو يجعل من الكتاب مساهمة متواضعة في النقاش العمومي الجاري حول حتمية التعديل، من خلال ما يطرحه من أفكار وتصورات واقتراحات قد تكون محط اهتمام وإغناء من قبل الباحثين والمهتمين بقضايا الأسرة والطفل بوجه عام.

في سطور:
< باحث بسلك الدكتوراه مهتم بقضايا الأسرة والطفل
< وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية أبي الجعد
< له العديد من المقالات حول القضاء
< صدر له كتاب بعنوان "النيابة العامة وقضاء الأسرة بين نصوص المدونة والعمل القضائي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق