fbpx
حوادث

دراسة: في شأن المائدة المستديرة حـول أوضاع السجون (1/2)

 

معالجة حالة الاكتظاظ داخل السجون تقتضي معالجة المرض من جذوره

 

لقد عقدت ليلة 8 نونبر 2012 مائدة مستديرة بمقر القناة الثانية ناقش أثناءها السادة المتدخلون أوضاع السجون بالمغرب كل واحد من موقع مسؤوليته واتفق الجميع على أن معاناة السجناء تأتي من ظاهرة الاكتظاظ وأنا أشاطرهم الرأي.

نعم إن الاكتظاظ الذي يحرم السجين من مكان مريح ينام فيه والذي يختلط فيه السجناء المرضى بجميع الأمراض العقلية والجسدية العادية منها والمعدية بالأصحاء، والسجين المحترف بالسجين المبتدء والكبير بالصغير هو في الواقع جحيم لا يطاق. وعن أسباب الاكتظاظ منهم من قال بأنه يرجع إلى الافراط في الاعتقال الاحتياطي وإلى عدم تصريف القضايا بالسرعة اللازمة على مستوى المحاكم، ومنهم من عزا السبب إلى استفحال ظاهرة الاجرام بالمغرب وإلى عدم قدرة المحاكم على مواجهة العدد الهائل من القضايا المعروضة عليها بالسرعة اللازمة، ومنهم من نسب السبب إلى المسطرة الجنائية والقانون الجنائي على وضعهما الحالي، ومنهم من كان تدخله تدخلا نظريا لا يمت بصلة إلى الواقع المعيش كأننا في مدينة فاضلة.
إن العلاج في نظر هؤلاء المتدخلين ينظلق من الزيادة في عدد السجون ومن تمكين المحاكم، مما يكفي من القضاة واليد العاملة وبناءات جديدة ومن اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي إلا عند الضرورة القصوى ومن إدخال تعديلات على قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي.
 إن الشيء الذي كان ينقص هذه المائدة المستديرة أن أحدا من المتدخلين لم يأت ببحث شاف عن أنواع الجرائم المرتكبة وعن الأسباب التي دفعت السجناء إلى أحضان الجريمة لنجد أنها كثيرة ومتنوعة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الهدر المدرسي، سوء التربية، البطالة، تأخر سن الزواج سواء بالنسبة للفتى أو الفتاة، تعاطي المخدرات والاتجار فيها، تعاطي الكحول، تعاطي القمار، تعاطي الفساد في أبشع صوره، التفكك العائلي، الهجرة من الأرياف إلى المدن إلى آخره …
ومن الناس من يتحمس ويطالب بالعناية بالسجين وذلك بتشغيله فور الافراج عنه حتى لا يعود إلى الجريمة. إنه شيء جميل وفكرة رائعة. وإذا استطاع السجين أن يلج سوق الشغل بمجرد خروجه من السجن فما حيلة المواطن العاطل الذي لم يلج السجن قط؟
ومعلوم أن الطبيب لا يصف العلاج إلا بعد تشخيص المرض أولا ثم يحاول استئصاله أو مداواته من جذوره كما أن الماء المتعفن ينبغي معالجته من منبع العفن لا من مصبه.
ومعلوم أيضا أن السجون هي في الحقيقة عينة صغيرة وشاهد ودليل ناطق على مدى ما في المجتمع من انحراف وتفسخ وغياب العدالة وغياب التآزر الايجابي المثمر.
وإذا أردنا أن نعالج حالة الاكتظاظ داخل السجون بالشكل الذي يحفظ للمواطن كرامته وإنسانيته وأن نخفف الثقل على المحاكم لابد من معالجة المرض من منبعه، وذلك بالاهتمام بأوضاع المجتمع الخلقية والمادية والقضاء على العلل التي يشكو منها، وإلا ازدادت الأمور استفحالا وزاد عدد السجناء ارتفاعا وتأزم وضع المحاكم وظاهرة الاكتظاظ داخل السجون لدرجة لا ينفع معها بناء سجون جديدة ولو شيدنا سجنا في كل حي وفي كل قرية.
والمثير للانتباه أن فئة من السجناء تفضل الرجوع إلى السجن للعيش فيه باستمرار حيث تتناول ما هو متعذر عليها في العالم الحر من مأكولات شتى، منها لحوم وفواكه التي تأتي من الخارج إلى السجناء الميسورين كما هو الشأن بالنسبة للمرضى المعوزين داخل المستشفيات، فضلا عما ينفق عليهم في الأكل من ميزانية الدولة. إنه عالم غريب الأطوار يعكس صورة ناطقة لما يحدث في المجتمع.
وبعملية حسابية بسيطة فلننظر كم ينفق سنويا على نزلاء السجون في الأكل فقط. إن عدد السجناء بلغ إلى حدود 31/10/2012  69.600 سجينا وينفق يوميا عن كل سجين 12 درهما ويبلغ الإنفاق في كل سنة 30×12×12×69.600 = 300.672.000 درهم= بصرف النظر عن مصاريف التطبيب والصيدلة الباهظة من جراء تفشي الأمراض خاصة بسبب الاكتظاظ وتضاف إلى ذلك نفقات التسيير والتجهيز التي تعد بالمليارات من الدراهم.

بقلم حمو مستور (قاض شرفي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق