fbpx
الصباح الفني

فكـرة دعـم الأغنيـة… مشكـلة أم حـل؟

هل توزيع الأموال على طريقة “هارون الرشيد” كفيل بحل أزمة الأغنية؟

منذ أن تقرر تخصيص دعم للأغنية المغربية، قبل سنتين، من طرف وزارة الثقافة، تفجر نقاش حاد بين الفاعلين في المجال أو المهتمين به، حول جدوى هذا الدعم في إخراج الأغنية المغربية من الأزمة التي تتخبط فيها.
وكان هناك من تخوف من أن يكون مصير الدعم المقدم للأغنية، كسابقه الذي قدم للسينما والمسرح دون أن يغير من واقع أمرهما شيئا.
لكن الفكرة في حد ذاتها تطرح إشكالا حول “المقصود بالأغنية المغربية” هل هي الأغنية العصرية؟ التي تجسدت فيها عبر عقود ملامح الهوية المغربية بشتى أبعادها، أم هي الأغنية الشعبية المغرقة في المحلية؟ أم هي الأغاني التجارية ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة رغم مستواها الفني الرديء؟ وتلك هي المسألة.
لقد أعادت فكرة الدعم المقدم إلى الأغنية المغربية إلى أذهان المهتمين بها، سؤال شروط الإنتاج الفني والعناصر المكونة للفعل الإبداعي الموسيقي بالمغرب، والظروف والعوامل التي ساهمت في تألق الأغنية المغربية لفترات قبل أن تعرف تراجعا مهولا في مستواها.
فنحن المغاربة ما فتئنا نفتخر، أمام القاصي والداني، بتعددنا الثقافي وغنى تراثنا الإيقاعي والنغمي، هذا الغنى الذي لم يشفع لنا في اكتساح الساحة الغنائية العربية، ولم لا العالمية، فما الذي ينقصنا لمنافسة بقية الدول العربية؟، هل يتعلق الأمر بنقص في الكفاءات الفنية؟ أم يرتبط بطبيعة هياكل الإنتاج والتسويق والدعاية؟
الواقع يؤكد أن بلادنا لا تنقصها الطاقات الفنية، والدليل تألق العديد من الأصوات الواعدة، كما يبدو من خلال البرامج التي تعنى باكتشاف الأصوات والمواهب الغنائية، إذ يكمن المشكل في حصر الأمر في هذا الإجراء المعزول، أي الاكتشاف، وعدم مواكبة هذه الأصوات بخلق الأجواء الكفيلة بتحقيق انطلاقتها الفعلية بما يخدم تطوير الأغنية، بحكم أن الأجيال التي سبقتها ما زال أغلب أفرادها يقاومون التهميش والنسيان والموت البطيء رمزيا وفعليا، إلا من أدرك سبل خلاصه الفردي، وهم فئة معدودة على رؤوس الأصابع.
السؤال الأكبر هل توزيع مبالغ مالية على عينة من الفنانين، سيكون اختيارهم دائما مثار جدل لا محالة، كاف للوصول إلى الأهداف المنشودة من وراء فكرة الدعم؟ وما المقصود ب”الفنان” هل هو الحائز على البطاقة من وزارة الثقافة؟ علما أن هناك مبدعين مغاربة بصموا تاريخ الأغنية المغربية لم يتسلموها إما إهمالا، أو رفضوا تسلمها لاعتبارات مبدئية.
وسؤال من له الحق في الدعم؟ يجرنا تلقائيا إلى التساؤل عن الأشخاص المؤهلين للحكم على الفنانين أو الأعمال الفنية المقدمة للحصول على الدعم؟
فالأمر يجب أن يتجاوز مجرد توزيع هبات مالية، كما لو كان الأمر يتعلق بزمن هارون الرشيد والخلفاء العباسيين حين كان المطربون والقيان يتمسحون بأعتاب القصور، للحصول على ما يقيم أودهم مقابل تأثيث سهرة الخليفة وندمائه. فالموسيقى صارت في وقتنا الراهن، عنوانا لمدى ما وصلنا إليه من رقي، أو تخلف، ومرآة تعكس ما يعتمل داخل المجتمع، بكل تلقائية، فتحسين صورتنا لدى الآخرين رهين بالاهتمام بتطوير مستوى موسيقانا، وهذا لا يتم ب”الصدقة” التي لن تزيد الأزمة إلا عمقا، بل باعتماد مقاربة استقرائية تأخذ بعين الاعتبار توفير الشروط القمينة بخلق المناخ المناسب والمشجع على الإبداع، والاهتمام بتطوير الوسائل المحققة لذلك، بدءا بالاهتمام بالمعاهد الموسيقية لتكوين أجيال قادرة على الإبداع “العالِم” وكذا التلقي النقدي، بهدف الرقي بالذوق الجمالي لدى المغاربة، وجعل التربية الموسيقية “فرض عين” على النشء، لأنه لا يمكن للإبداع الحقيقي أن ينمو وسط أناس لا يميزونه عن “الزائف”.
إضافة إلى إيلاء العناية الكاملة بالاستوديوهات وإعادة هيكلة الأجواق الجهوية أو الجوق الوطني بالإذاعات، وجعلها رهن إشارة المبدعين، فما أحوجنا إلى الزمن الذي كان فيه الإعلام العمومي “يحتكر” إنتاج الأغاني وتسويقها، لأنه، على الأقل، جنّب المبدعين، حينها، متاهة البحث عن سبل إخراج العمل الفني إلى الوجود الذي يستنزف منهم أضعاف المجهود الذي يبذلونه في خلقه.

ع. م  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى