افتتاحية

شيطنة

تُوحي هالة المحاكمات والمتابعات القضائية وأحكام العزل والتأديب في حق رؤساء جماعات ومستشارين بأن تدبير الشأن المحلي بالمغرب، هو “الشيطان الأكبر”، الذي ينبغي قتله.
فعلى مدى صفحات عرضها وزير الداخلية، قبل أيام، على شكل تقرير حول عمليات افتحاص مالي وتقني، قامت بها المجالس الجهوية للحسابات ومصالح الوزارة، بتنسيق مع المفتشية العامة للمالية، يمكن أن نُصدم بالعدد الهائل من المسؤولين المحليين، الذين تحوم حولهم شبهات اختلالات واختلاسات وتصرف غير مشروع في المال العام و”التخلويض” في الصفقات العمومية والمشاريع وطلبات العروض.
وبالعودة إلى الأرقام، التي قدمها وزير الداخلية بالبرلمان، نلاحظ أن الأمر يتعلق بعزل 84 عضوا من الجماعات الترابية أحيلت ملفاتهم على المحاكم الإدارية، منهم 28 رئيسا بالجماعات المحلية والمجالس الإقليمية، بناء على مقتضيات المادة 64 من قانون الجماعات، وضمن هؤلاء، تم تحريك الدعوى العمومية في حق 21 عضوا بالمجالس الجماعية لارتكابهم أفعالا تستوجب عقوبة جنائية، من قبيل اختلاس المال العام، أو تزوير وثائق إدارية أثناء ممارستهم لمهامهم.
وإذا كنا مقتنعين بسلامة عمليات الافتحاص المالي والنتائج، التي تمخضت عنها في ثلاث سنوات الماضية، فإن طريقة تقديم المعطيات دفعة واحدة قد تكون سببا في بعث إشارات سلبية في مختلف الاتجاهات، البلد في غنى عنها، وهو يهيئ مشروع نموذجه التنموي الجديد، ويواصل تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على أسس سليمة:
الإشارة الأولى، تتعلق بتوقيت الإعلان عن نتائج تقارير شرعت لجان التفتيش في إنجازها منذ 2016، وهو توقيت في الزمن الانتخابي قد يفهم بأنه إقصاء مبكر لأطراف معينة من اللعبة المقبلة.
الإشارة الثانية، إعطاء الانطباع بأن الرؤساء والمنتخبين والمستشارين كلهم من أب واحد اسمه عبد الواحد، لا ينبغي الثقة فيهم، أو هم مجرد متهمين في حالة سراح، إلى أن يثبت العكس.
الإشارة الثالثة متعلقة بسابقتها، وهي تكريس العزوف السياسي في صفوف المواطنين، ومقاطعة العمليات الانتخابية ونبذ المشاركة في الحياة السياسية، من منطلق “كولشي شفار”.
الإشارة الرابعة، تتضمن شكلا من أشكال التمويه والغموض، وتقديم رؤساء جماعات ومنتخبين أكباش فداء لعمليات تدبير معقدة على المستوى المحلي، تتداخل فيها أطراف عديدة، منها مسؤولو الداخلية أنفسهم والولاة وعمال الأقاليم والعمالات.
الإشارة السلبية الخامسة، تغليب كفة الحلول السهلة، مثل المتابعات والمحاكمات، التي لن يستفيد منها أي أحد في النهاية، على حساب تقوية جهاز الحكامة والمراقبة القبلية (وليس البعدية) والتدبير العقلاني والمرافقة وإعادة تكوين عدد من المنتخبين والرؤساء، الذين يرتكبون أخطاء عن جهل، وليس عن سوء نية دائما.
الإشارة السادسة، الحفاظ على النهج نفسه في محاكمة مختلسي المال العام، أي الاكتفاء بمعاقبة المتورطين بأشهر قليلة من السجن، دون مطالبتهم بإرجاع ما نهبوه من أموال وممتلكات وضيعات من “فلوس الشعب”.
“واش فهمتوني؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق