fbpx
الصباح الـتـربـوي

مجرد رأي: بؤس الإنفاق على التربية والتعليم

كلما هممت باختراق مجال الإنفاق على التربية والتعليم، تقفز إلى ذهني الآية الكريمة “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، فأتلقاها ليس بالمعنى الذي يحلق في عالمه  الفقهاء والمتفقهون، وإنما بمعنى ما تنطوي عليه من خلفية اقتصادية ودلالة اجتماعية. وهكذا فإذا كانت سعادة الأسرة كما المجتمع لا تكتمل إلا عند اقتران توفر المال بالبنين؛ فإن السؤال هو؛ بأي معنى يكون اقتران المال والبنين مفتاحا لزينة الحياة الدنيا؟ وهل يكفي فقط وجود المال الكافي حتى ينفق على البنين؟ أم أن الأمر يحتاج إلى تفكير وحسن تدبير في صرف ما هو متاح من مال للإنفاق على التربية والتعليم؟ وهل الإنفاق على التعليم هدر للمال أم استثمار للمستقبل؟
ويعيش نظامنا التعليمي، اليوم، أزمة لا شك أنها تعود في الأصل إلى أسباب مالية المظهر، سياسية المخبر، وقد ظهرت معالمها سنة 65/66 مع الوزير بنهيمة الذي دافع في برنامجه عن تراجع الدولة عن الإنفاق على التعليم من خلال الدعوة إلى التراجع عن سياسة التعميم تحت ذريعة الإكراه المالي، واعتبار الثقافة العليا مجرد حلية للفكر لا تستوجب الإنفاق في الوقت الراهن. وهكذا، لو قدر لبرنامج التعميم أن يستمر على الوتيرة نفسها لكان المغرب اليوم على غير ما هو عليه. على أن الأمر سيزداد تفاقما مع سياسة التقويم الهيكلي التي طبقت سنة 83 ومعها سيدب سرطان التقشف في الجسد التعليمي ككل، فيجتث المناصب المالية من منابعها، ويأتي على ما لدى المؤسسات من وسائل وإمدادات…ولذلك ساءت أحوال المدرسة المغربية بشكل جعلها تفقد مشروعيتها العلمية وجاذبيتها الاجتماعية.      
رغم اعتبار الميثاق الوطني للتربية والتكوين أهم إنجاز عرفته المنظومة التعليمية سنة 2000، إذ كان بإمكانه أن يحدث ثورة تربوية تشكل قطيعة مع ما عرفته من فشل كل المحاولات الإصلاحية المتعاقبة، وذلك بالنظر إلى ما قدمه من دعامات، ووضعه من مبادئ، وحدده من أهداف تربوية كبرى تتميز بطابع حداثي وتوجهات عقلانية. إلا أن الدعم المالي الذي تم رصده لم يكن ليستجيب لطموحاته وأهدافه رغم الزخم الذي حفلت به فترة الانتقال الديمقراطي. وقد حاولت الوزارة على عهد الحبيب المالكي سنة 2006 تدارك الأمر عن طريق رفع الميزانية إلى 12 في المائة، مقارنة مع السنة التي قبلها مع اعتماد غلاف مالي إضافي (340 مليون درهم)، ومع ذلك، انتهت النتيجة إلى أن صٌنف المغرب في المرتبة 126 من أصل 177 دولة من طرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
 ويبدو أن الوفا وزير التربية الوطنية وهو يرافع أمام اللجنة البرلمانية عن مشروع ميزانية القطاع برسم 2012، كان أكثر ارتياحا بتخصيص وزارته لأكبر عدد من المناصب المالية (8000 منصب) وأعلى قدر من الميزانية للدولة (أكثر من 42 مليارا) من بين مختلف القطاعات الحكومية.
 وقد كان على الوفا أن يأخذ العبرة من سلفه، فميزانية 2010 كانت 33397 مليون درهم، قفزت في السنة الموالية إلى ما يقارب 49 مليارا، ومعنى ذلك أن الميزانية الحالية ستعاني من تراجعا لا ينبغي أن يطول قطاع التعليم. ومع ذلك لم يتمكن اخشيشن إنجاز ما وعد به، لأنه وكما الوفا اليوم مال إلى التعاطي مع الجانب اللوجيستيكي بما يحمله من أرقام وإحصائيات دون أن يفلح في ذلك، وأغفل كما الوفا اليوم إصلاح البرامج التربوية والمنهاج التعليمي، وهو الإصلاح الذي يمكن أن يحقق الاستثمار المطلوب لمستقبل البلاد والعباد.

المكي ناشيد, (باحث في التربية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى