افتتاحية

“مابغيناش نموتو”

أسلمت المريضة رجاء، أول أمس (السبت)، الروح إلى باريها، بعد أن فقدت كل أمل في العلاج من السرطان.
رحلت عند الذي لا يظلم عنه أحد، بعد أن لاقت أنواع الظلم و”الحكرة” في بلد يقابل مرضاه بالجحود.
ماتت المرأة الشابة ذات العينين الذابلتين والرأس الأصلع من أثر المواد الكيماوية، التي كانت أول مغربية مريضة تحمل “هاشتاغ”: “ما بغيناش نموتو”، لكنها ماتت، قبل أن يصل نداؤها إلى من يهمهم الأمر.
رمت رجاء المنشفة، أخيرا، مستسلمة لقدرها، في مغرب يوزع الموت بالتقسيط المريح على مواطنين لا حول لهم ولا قوة، ويحملهم إلى القبر في مسيرة نعوش.
فمثل “رجاء” هنا كثيرون وكثيرات يعانون أنواع أمراض السرطان الذي يصيب حوالي 40 ألف مواطن سنويا. قليل منهم من له إمكانيات الولوج إلى الاستشفاء والتطبيب والدواء والعلاج الكيماوي، وأكثرهم تزهق أرواحهم على أبواب المستشفيات.
آلاف المواطنين، “فقدوا الرجاء في كل شيء”، يتعايشون مع المرض الخبيث في صمت، وينظرون إلى أطرافهم ولحومهم وعظامهم وهي تسقط وتتفتت كل يوم أمام أعينهم، وحتى إن توفروا على بطائق “راميد”، يستحيل أن يجدوا سريرا للنوم، أو مكتب طبيب يقدم لهم نصيحة أو استشارة، أو مؤسسة تعطيهم الدواء وحصص “الشيميو” مجانا، أو بأثمنة رمزية، كما في باقي الدول الأخرى.
إنها فضيحة بكل المقاييس أن تعجز الحكومة عن التكفل ببضعة آلاف من المواطنين والمعوزين، أو بلا مدخول قار أو تغطية، المصابين بمرض “ديمقراطي”، لا يميز بين فقير وغني، أو بين أمي ومتعلم، أو بين قاطن في المدينة، أو قرية، أو بين كبير في السن وصغير.
الكل لديه سواء في دورة “سيزيفية” من العذاب والألم الشديد الذي يقطع أفئدة الآباء والأمهات والعمات والخالات والمرافقين، قبل أن يقطع المرضى، وهي حالات إنسانية شديدة التعقيد كان ينبغي أن يتفهمها المسؤولون، ويتعاطون معها بمقاربة اجتماعية خاصة، حتى لا يصبح نصف المجتمع مريضا ونصفه الآخر يعاني.
اليوم، يأخذ الموضوع بعدا آخر، حين دخل مواطنون ونشطاء في المواقع الاجتماعية وفعاليات المجتمع المدني، مطالبين بتكريس الحق في العلاج المجاني عبر إنشاء صندوق خصوصي لمكافحة السـرطان، إذ تجاوزت العريضة سقف 5000 توقيع، في أفق مليون توقيع.
فحين يتحرك المواطنون بهذه الكثافة من أجل المرافعة على الحق في الصحة ومجانية العلاج (خصوصا الأمراض المزمنة مثل السرطان)، فعلى الحكومة أن تدرك أن أولويات المواطنين وانتظاراتهم وبرامجهم وطموحاتهم، لا تحسم في الصالونات المخملية المغلقة، بل أمام المستشفيات والمدارس والمحاكم والأسواق وساحات الاحتجاج والغضب.
هنا يوجد صوت المواطن.
وهنا مكان الديمقراطية التمثيلية الحقيقية.
وغير ذلك كذب وبهتان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق