افتتاحية

“قليان السم”

لو فكر شكيب بنموسى، رئيس اللجنة الخاصة لإعداد مشروع النموذج التنموي الجديد قليلا، لتفادى هدر وقت ثمين من عمل اللجنة، في اجتماعات بالساعات مع قادة أحزاب قالوا له جميعا: “مقترحاتنا توصل بها الديوان الملكي في مارس الماضي”.
وفعلا، لم يجانب الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية والاستقلال، وغيرها من الأحزاب التي اجتمع بها بنموسى، أو التي سيجتمع بها لاحقا، الصواب، إذ سبق لها أن قدمت كل ما في جعبتها، وحررته، سوادا على بياض، في حزمة أوراق، وأرسلته إلى الجهات التي طلبت منها ذلك… وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
فما معنى أن يتبنى بنموسى، اليوم، منطق “فيناهي وذنك… هاهي”، أي عوض أن يطلب من فرقه وخبرائه وأطر اللجنة الخاصة الانكباب على هذه الأوراق “الحزبية”، وإخضاعها إلى التحليل والتمحيص والدراسة المتأنية، وتنقيتها وعزل الصالح من الطالح منها، واستنتاج الخلاصات والتوصيات الأساسية، عاد الرجل إلى لعبة الاجتماعات، وتضييع الوقت في “تقرقيب الناب”.
ففي لحظات من هذه “الاجتماعات”، تحول النقاش إلى حفلة لـ”قليان السم”، بعد أن شرع أعضاء في تأنيب الرئيس بصيغ مختلفة على تغييبه ممثلي الأحزاب من عضوية اللجنة الخاصة، بل إن أحدهم ذهب بعيدا، حين قال إن الأحزاب (المغيبة من اللجنة) هي التي ساهمت، سابقا، في الحفاظ على الاستقرار وتقوية مؤسسات الدولة!
أما أحزاب أخرى فرفعت السقف عاليا في توجيه “الرسائل”، حين اعتبرت الخيار الديمقراطي خطا أحمر، يسبق أي حديث عن التنمية، مذكرة بالتجارب المأساوية التي قلبت المعادلة !
والغريب في كل ذلك أن بنموسى اكتفى بالاستماع إلى مداخلات ممثلي الأحزاب، دون إبداء أي ملاحظة، علما أن هذه المداخلات ليست سوى تلخيص موجز لمضامين الأوراق، التي تقدمت بها إلى الديوان الملكي، ومفروض أن الرئيس اطلع عليها.
وهنا يجب أن نقف عند نقطتين:
– فإما أن هذه الأحزاب قدمت عملا جيدا ومقترحات مشاريع في المستوى، وبالتالي على اللجنة أخذها بعين الاعتبار، دون العودة من جديد إلى الاستماع إليها، وتضييع الوقت.
– أو أن اللجنة اكتشفت أن ما قدمته الأحزاب مجرد لغو وخروج عن النص، وبالتالي كان على بنموسى مصارحتها بذلك، ومطالبتها بتجويد عملها وتنقيحه، إن هي أرادت فعلا المساهمة في وضع النموذج التنموي.
نشدد على هذه الملاحظات الشكلية، منذ البداية، لاقتناعنا أن منهجية العمل جزء أساسي من اشتغال لجنة خاصة تضم خيرة الأطر والكفاءات والعقول، ينتظر منها المغاربة إجابات وحلولا وأفكارا لامعة، قابلة للتطبيق وتساعد على التغيير.
لقد استمعنا، عقودا وأجيالا، إلى الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني وبعض المؤسسات، وحان الوقت لفسح المجال لأفكار جديدة، قد تنجح هذه المرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق