منبر

“البونانـي” … معارضـو الفرحـة

فقهاء يحرمون التشبه بالكفار ويحضون على مخالفتهم ومعتدلون: لا تضيقوا على الناس

يتجدد الجدل مع اقتراب رأس السنة الميلادية، في البلدان العربية والإسلامية، حول جواز الاحتفال بهذه المناسبة، ويفضل الفقهاء المتشددون ممارسة هوايتهم المتمثلة في التضييق على الناس، وإدخالهم في دوامة الحلال والحرام، بينما يتعلق الأمر بالاحتفال بقدوم سنة جديدة، ومناسبة للترويح عن النفس، والتخلص من جزء من المتاعب التي ألمت بالشخص طيلة السنة، واستشراف ما قد تجلبه السنة الجديدة من رخاء وسعادة وراحة بال، لكن البعض يهوى معارضة هذه الفرحة، وتعكير الأجواء، وزرع ثقافة التفريق وعدم التسامح، عوض الدعوة إلى الانفتاح والتعايش مع كافة الشعوب، ومشاركتهم عاداتهم وأفراحهم وأحزانهم.
ينطلق معارضو فرحة “البوناني”، من معادلة أن رأس السنة الميلادية طقس ديني، لدى فئة المسيحيين، الذين يحتفلون بميلاد نبيهم عيسى، وبما أنهم كفار حسب هؤلاء، فلا يجوز التشبه بهم من قبل المسلمين، ومخالفتهم في كل مناحي الحياة، وعدم الافتتان بأعيادهم وثقافتهم، إلا أن هذا المنطق لم يعد صالحا منذ زمن ولى وانقضى، سقط مع سقوط الإمبراطوريات وثقافة الأمة الواحدة المتصارعة مع باقي الأمم، خاصة أن العالم أصبح يعيش ويحتكم إلى قوانين مشتركة، ويجلسون على طاولة واحدة، ويسعون إلى أهداف مشتركة، رغم اختلافاتهم الجوهرية، سواء كانت دينية أو ثقافية أو غيرهما، ولعل ما يدعو إليه فقهاؤنا اليوم يصلح لحقبة السلف، أما اليوم فتغيرت الأمور وأصبح التعايش وتقبل الأخر المختلف أسمى المبادئ الكونية، التي تحافظ على العيش المشترك، والحد من الحروب وإحلال السلم بين الشعوب.
ويجد المسلم اليوم نفسه بين قطبين متجاذبين، الأول يمثله فقهاء السلفية المتطرفون، وأصحاب اللحى الطويلة، الذين يريدون العيش خارج زمانهم، والثاني يمثله جيل جديد من الفقهاء الذين يدعون إلى التعايش وتقبل الآخر، ولا يعارضون على سبيل المثال الاحتفال برأس السنة الميلادية، وهو ما يجعل المسلم البسيط في حيرة من أمره، ولا يتمكن من تشكيل قناعاته الشخصية، ويظل متذبذبا في مواقفه، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسرة يؤمن البعض فيها بأهمية الاحتفال ويعارضها البعض الآخر، ما قد يؤدي إلى البغضاء والصراع داخل الأسرة الوحيدة، وهو ما لا يدركه الفقهاء، إذ يكونون سببا في تفريق الأسر، ويجرون غضب الآباء على الأبناء أو العكس.
ويستند معارضو “البوناني”، على قاعدة مهزوزة، تكرس أوهام التفوق لدى المسلمين، في وقت يعيشون في خارج قطار الحداثة والتقدم، من منطلق أن عيد رأس السنة ليس مما شرع الله للمسلمين من أعياد. ومن الأحاديث التي يؤسسون عليها أيضا مواقفهم، حديث رواه ابن عمر عن الرسول، يقول “من تشبه بقوم فهو منهم”. وبما أن الشرع أمر بمخالفة المشركين، ونهى عن التشبه بهم ومشابهتهم، فإنه ينوي التباين بين المؤمنين والكافرين في الظاهر، كما هو حاصل في الباطن، لذلك فإن الموافقة والتشبه في الظاهر ربما تَجر إلى محبتهم وتعظيمهم، والشعور بأنه لا فَرق بينهم وبين المؤمنين، ويقود المتشبه إلى أن يتخلق بأخلاق من تشبه به، وأن يعمل مثل أعماله.

عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق