fbpx
افتتاحية

حافلات العار

انتهت شركة “ألزا”، الفائزة (في ظروف غامضة) بالطلب الدولي لتدبير قطاع النقل العمومي بالبيضاء، من طلاء حوالي 30 حافلة مهترئة أدخلتها من أوربا، في انتظار الزج بها بشوارع المدينة، في أكبر فضيحة تعرفها عاصمة المال والأعمال في السنوات الأخيرة.
بعد أيام، سيركب مئات الآلاف من البيضاويين “طوبيسات” استهلكها مواطنون أوربيون في خمس سنوات الماضية حتى عافوها، وسيجلسون على المقاعد المهترئة نفسها، وسيستعملون المقابض والمعدات نفسها، التي استعملها إيطاليون وهولنديون وفرنسيون حتى تلاشت، وأضحت “خردة” قابلة للاستبدال بأخرى جديدة.
ولنقلب الموضوع حتى نرى حجم الإهانة، التي ألحقتها الجماعة الحضرية للبيضاء بمواطنيها، ولنتخيل (على سبيل الخيال فقط)، أن مسؤولين بمجالس مدن بفرنسا، أو هولندا، أو ألمانيا، أو سويسرا، استوردوا حافلات قديمة من كندا، أو أمريكا، أو أستراليا، وأعادوا “صباغتها” وأدخلوها إلى خدمة النقل العمومي.
لنتخيل هذا المشهد، وسنرى الضجة السياسية الكبرى، التي ستنفجر في هذه الدول، والمسيرات والإضرابات والاعتصامات ومطالب الاستقالة و”الرحيل”، التي ستُرمى في وجوه المسؤولين، الذين تجرؤوا على امتهان كرامة مواطنين كاملي المواطنة يدفعون واجباتهم إلى الدولة في شكل ضرائب ورسوم، مقابل خدمات عمومية ذات جودة عالية.
إن قرار استيراد “خردة” من 400 حافلة من أوربا (بكل المخاطر المالية والبيئية لهذه العملية)، ووضعها رهن إشارة البيضاويين، لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، ويستوجب مساءلة برلمانية وقضائية عاجلة، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد قرار اتخذ في ظروف طارئة، بل بمؤشر قوي على سوء الحَكامة، التي طالما نبهت إليها أعلى سلطة في البلد، وضمنتها في خطاب رسمي تُلي أمام المؤسسة التشريعية في أكتوبر 2013.
فما معنى أن يغرق العمدة ونوابه المدينة في “مزبلة” من المتلاشيات في الدقيقة الأخيرة، ويفرضون الأمر الواقع على 5 ملايين بيضاوي، في وقت كانت أمامهم أربع سنوات كاملة لإعداد دفتر تحملات جديد وطلب عروض دولي لتعويض شركة “مدينة بيس”، التي كان الجميع يعرف أن عقدها سينتهي في 31 أكتوبر 2019؟
معناه، بكل بساطة، أن الإخوان “مافيدهومش”، وأن المرء يعز أو يهان عند الامتحانات الكبرى والقرارات المصيرية، التي يبقى أثرها في التاريخ.
إن التاريخ لن ينسى أن مسؤولي البيضاء في 2019 أهانوا سكان المدينة ومرغوا كرامتهم، حين أجبروهم على ركوب “طوبيسات” مستعملة عافها الأوربيون.
ولن ينسى، أيضا، أن مسؤولي البيضاء يتبخترون في صالونات جلدية لسيارات فارهة مدفوع ثمنها من جيوب الشعب.
والشعب نفسه “يختنق” في حافلات العار.
وبعد ذلك، إذا لم تستحيوا، فافعلوا ما شئتم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى