افتتاحية

الإمبراطور

أن تكون الآمر بالصرف لثلثي ميزانية الاستثمارات العمومية بالبيضاء، وأن تتحكم في 90 في المائة من المشاريع الكبرى المهيكلة، وتشرف على صياغة دفاتر التحملات والعقود وإبرام الصفقات وعقد جلسات فتح الأظرفة و”اختيار” الشركات، فيجب أن تكون إمبراطورا لا يشق له غبار.
بالقدر نفسه، يجبُ أن تكون مسؤولا “فوق العادة”، بمظلة كبيرة تحميك من ألسنة الشمس الحارقة، ورياح “التقلبات” العاتية، حتى تحوِّل مدينة مليونية بحجم البيضاء إلى منديل ورقي في جيب سترتك، تخرجه متى تشاء، وترميه متى تشاء في أقرب صندوق للقمامة.
ويجب، في مقام ثالث، أن تكون جميع خالاتك وعماتك وأصهارك في العرس حتى تتعامل باستعلاء مع دعوات الحضور إلى اجتماعات اللجان الوظيفية بمجلس المدينة، وترفض المثول أمام المنتخبين والإجابة عن أسئلتهم واستفساراتهم، بصفتك القانونية “مستخدما” في شركة هم مؤسسوها والمساهمون فيها بأكثر من 50 في المائة.
باختصار شديد، يجبُ أن تكون كل ذلك وأكثر حتى تصبح مديرا لأكبر شركة للتنمية المحلية تخطط وتنفذ وتقرر في “رغبات” ملايين المواطنين، تضبط إيقاع أولوياتهم وانتظاراتهم واحتياجاتهم، وتتصرف في ميزانية ضخمة تضاهي ميزانيات خمس وزارات صغيرة.
فمن يعرف مدير المؤسسة، لا يجد في سيرته المهنية والذاتية أي بريق يُذكر، ولا تتضمن أي شيء خارق، مقارنة مع زملائه المتحدرين من أسر ميسورة بوجدة، الذين تابعوا دراستهم بمعاهد فرنسا في بداية التسعينات.
ففي باريس، اختار مدرسة مغمورة للتقنيات المتقدمة حصل منها على دبلوم مهندس في الأنظمة والشبكات، وهي “الشهادة” الوحيدة التي فتحت له الداخلية من أوسع أبوابها، حيث تدرج في بعض الأقسام والمصالح، قبل أن يجد من يُهيئ له إدارة قطب البرامج بولاية جهة البيضاء الكبرى (سابقا)، التي شغلها من 2008 إلى ماي 2010.
في تلك السنة بالضبط، تلقى مكالمة من صديقه عبد الفتاح الهومام، (الوالي الأسبق لولاية وجدة)، للالتحاق بمنصب مدير عام للمركز الجهوي للاستثمار، في عز انطلاق المنطقة الشرقية والاهتمام الملكي الكبير بها، قبل أن تظهر “حقيقة” كفاءة الإطار الشاب، الذي تسبب في ركود شامل لأغلب المشاريع المهيكلة، فكان أول قرار للوالي محمد مهيدية “طرده” من وجدة بكاملها.
لكن، تشاء إرادة الهواتف والاتصالات و”باك صاحبي”، أن يعود إلى عاصمة المال والأعمال، متقلدا أكبر شركة للتنمية المحلية في ظروف مازالت غامضة إلى اليوم، واضعا تحت تصرفه ميزانية بالملايير، دون حسيب أو رقيب، ودون مراقبة للمشاريع ومحاسبة لصرف المال العام، حتى أوحى له “شيطانه”، قبل أسبوع، بتقمص أدوار أكبر منه، حين افتتح مشروعا ملكيا كلف 140 مليارا، “بلا خبار حتا واحد”.
فمن يحمي هذا الرجل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق