افتتاحية

رسائل بنكيران!!

شق عبد الإله بنكيران على قلوب أعضاء في اللجنة المكلفة بإعداد مشروع النموذج التنموي الجديد، حين قال إن كثيرا منهم متخصصون في التشكيك بالدين، بمعنى أنهم مجموعة من الكافرين والملحدين والمرتدين، وجب “قتلهم”.
ففي لحظة فارقة من الإعداد التنظيمي لهذا المشروع الوطني الكبير، قرر الرجل ممارسة اللعبة ذاتها، التي يعشقها حد الجنون، أي خلط الأوراق بمهارة فائقة، وتهريب النقاش العمومي الوطني من القضايا الأساسية والحيوية، التي تهم عيش وحاضر ومستقبل المغاربة، إلى قضايا خلافية كبرى، مثل العقيدة والدين والتدين والإيمان.
فعكس ما يذهب إليه عدد من المحللين من أن بنكيران غريب الأطوار ومزاجي و”بوهالي”، ولا يمضغ الكلام مرتين، فالأمين العام السابق للعدالة والتنمية ومؤسس أكبر حركة دعوية في المغرب، يعرف ما يقول، ويختار السياق الدقيق ليقول كلامه، لتصل الرسالة “واضحة” كما يجب إلى من يهمهم الأمر.
فحين يشكك في الذمة الدينية لأعضاء في اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد، فإنه يوجه رسالة إلى “بعض” المغاربة (الذين لديهم حساسية من الدين والمس به)، بعدم الثقة في كل ما يصدر عن هذه اللجنة، مستقبلا، من توصيات ومشاريع ومقترحات وتصورات، أي ما بني، في نظره، على باطل فهو باطل بحكم الشريعة والدين.
إنها بالتأكيد، رسالة خطيرة تؤسس:
أولا، لمنحى جديد للنقاش اليوم في المغرب، حين يصبح الدين والعقيدة والإيمان جزءا من السيرة الذاتية والمهنية للمترشحين للمناصب العليا، أو للكفاءات المؤهلة لتسيير قطاع ما، أو المشاركة في لجنة وطنية، أو مجلس استشاري.
وثانيا، تعطي إشارات سلبية إلى الداخل والخارج، عن نوعية الحزب “الإسلامي”، الذي يشارك في الحكم بالمغرب، وهو حزب ينهل من نظريات التكفير والحد وقطع الرقاب، ويشجع على الإرهاب، وإقامة الحد ومحاسبة الناس على عقائدهم وما يؤمنون به.
ثالثا، التشويش على إسلام الوسطية والاعتدال، كما أسسه المغرب والمغاربة عبر عقود، من قبل مسؤول “كبير” تقلد مهام رئاسة الحكومة، وكان ثالث شخص في ترتيب البروتوكول إلى جانب أمير المؤمنين.
رابعا، تساهم في إيقاظ الفتنة وسط المسؤولين، وإرباك عمل لجنة وطنية، مهمتها الإشراف على وضع تصور يرهن المغرب لثلاثين سنة المقبلة.
خامسا، توسع هامش النفاق السياسي في المغرب، إذ بدل أن تتوفر لبنكيران الشجاعة الكاملة لانتقاد الملك ولومه على إبعاد الكفاءات الحزبية من اللجنة، “حكر” على أعضائها، ورماهم بالكفر والباطل واللاتدين.
سادسا، رغبة الرجل في الهروب إلى الأمام والاحتماء بالدين والأخلاق للتغطية على تقاعد غير مشروع “يلهفه” دون وجه حق، ويصل إلى سبعة ملايين شهريا، في وقت صوت فيه حزبه “الإسلامي” على تضريب معاشات المتقاعدين.
سابعا وأخيرا، إن ما تفوه به بنكيران يقدم دليلا قاطعا على أن من لا يستحيي، يمكن أن يفعل ويقول ما يشاء، وبالطريقة التي يشاء.
لكن لا تنس أن ثمة قاضيا جليلا اسمه التاريخ.
يسجل ولن يرحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق