حوادثمقالات الرأي

الرقيبي: مخيمات تفريخ التطرف على أرض الجزائر

مشكلة القيادة ومن يدعمونها أنهم يكذبون الكذبة ويريدون منا تصديقها

بقلم: الفاضل الرقيبي

وجدت وزارة الخارجية الجزائرية نفسها مضطرة إلى تكذيب تحذيرات أطلقها مسؤولها المكلف بالتنسيق مع بعثة “مينورسو” بتندوف، حول وجود مخطط يهدف إلى اختطاف رعايا إسبان بمخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر، وهو أمر يجد صدقيته في التحذيرات التي أطلقتها الحكومة الإسبانية ساعات قبل ذلك، والتي أخبرت مواطنيها أن زيارة جنوب غرب الجزائر تشكل تهديدا حقيقيا لسلامتهم.
تكذيب الخارجية الجزائرية لممثلها لدى “مينورسو” دليل على التخبط الواضح في السلوك المؤسساتي بهذا البلد، والتناقض غير المفهوم في المواقف الرسمية حيال التطورات الأمنية على التراب الجزائري، خصوصا في ظل الوضعية السياسية المتأزمة داخليا، وتزامن كل ذلك مع المخاضات الداخلية التي تعرفها قيادة “بوليساريو”، التي تحاول أن تُغمض عينيها عن الواقع، مسخرة أبواق دعايتها للتسويق لصورة مغلوطة لمخيمات آمنة لا يكدر صفو العيش بها شيء، كما دأبت على ذلك، رغم أن تلك الكذبة حطمت باختطاف المتعاونين الأجانب الثلاثة في 2011 من قلب المخيمات بالرابوني، وأنهت أسطورة الطوق الأمني، وكسرت صورة الأمان الزائف الذي رددته قيادة الجبهة على مسامعنا طيلة سنوات.
عملية الاختطاف هاته كشفت عن وجود أذرع متغلغلة داخل المخيمات، تستفيد من بعض القرابات العائلية وشبكات التهريب التي تضرب جذورها في عمق تنظيم “بوليساريو”. فقد ثبت أن الخاطفين لهم دراية دقيقة بالمخيمات، إذ تبين لاحقا أن اثنين من منفذي العملية كانا معروفين بأنشطتهما المشبوهة بالمخيمات، حتى التحقا بتنظيم التوحيد والجهاد في 2010، وسمعنا أن أحدهما قتل في مارس 2016 بليبيا.
أليست هاته المعطيات كافية لتجعلنا نشك في كل ما تروجه القيادة والحكومة الجزائرية حول الوضع الأمني في محيطنا؟ وما سر ردة الفعل الجامحة التي أبدتها القيادة وموالوها تجاه تحذيرات الحكومة الإسبانية؟ مشكلة القيادة ومن يدعهما أنهم يكذبون الكذبة ويريدون منا تصديقها، وكأن الصحراويين أناس قَصُر وَعيهم عن فهم الواقع واستيعاب التطورات التي تحدث حولهم.
كل الصحراويين يعرفون أن المخيم ليس ذاك المكان الآمن، كما يريد البعض أن يُظهره للعالم، والحقيقة أن عددا ليس باليسير من الشباب الفار من المخيم، التحق بشبكات الجريمة والإرهاب الناشطة على امتداد منطقة الساحل والصحراء التي أنهكتها الحروب والكيانات الخطيرة، حتى صُنفت ضمن أسخن بؤر التوتر عالميا، وليست المخيمات إلا خزانا بشريا يغذي هذا التوتر ويوفر لهاته الشبكات فرصة لتقوية حضورها وبسط نفوذها بالمنطقة.
لا تهتم القيادة بالمخيمات إلا بما قد يخدم أجندتها السياسية، فالصحراويون هنا مجرد وسيلة للضغط، ويافطة لاستدرار الدعم الإنساني. أما الحكومة الجزائرية، فلا تلقي بالاً للأمن الروحي بين الصحراويين، مما فتح الباب للعشوائية التي أدت إلى انتشار عشرات المساجد والمصليات التي يقوم عليها أشخاص تعددت مراجعهم الدينية، دونما رقابة حقيقية على المحتويات الدعوية التي تقدم بتلك الأماكن، التي ثبت أكثر من مرة، ضلوعها في تعبئة بعض الشباب وإرسالهم باتجاه المجهول.
صحيح أننا نسمع، من حين لآخر، تحذيرات موجهة للقيادة من وجود نشاطات خطيرة لبعض الأشخاص بالمخيمات، والذين يتلقون تمويلا من جهات يعتقد أنها تدعم النشاط الإرهابي في مناطق محاذية للجزائر، غير أن القيادة كانت دائما تناور لإخفاء الأنشطة المشبوهة داخل المخيمات، وتوفير غطاء لمجموعة من الخارجين عن القانون، بسبب تورط بعض أعضاء هذه القيادة في مثل هاته الأنشطة.
إن الظروف المعيشية الصعبة التي تعرفها المخيمات جراء تحويل مسار المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى حالة اليأس والإحباط التي تجتاح نفسيات الشباب هنا، كلها عوامل تجتمع لتدفع الكثيرين إلى الالتحاق بتلك المجاميع الإجرامية، خصوصا منها شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، كموارد بديلة يواجهون بها شظف العيش وتواطؤ القيادة. ولعل المعارك الأخيرة التي عرفتها منطقة “مهيريز” أبسط دليل على ضعف المنظومة الأمنية لـ “بوليساريو”، وعدم قدرتها على السيطرة على الشباب الغاضب الذي بات يبحث عن بدائل تخرجه من واقع المخيمات المزري، ولو كان ذلك بالتحاقه بالشبكات الإجرامية الخطيرة، التي قد تجر المخيمات والقبائل هنا إلى التناحر والتطاحن في سبيل أطنان من المخدرات أو شحنات من الأسلحة.
لا يمكن للصحراويين أن ينسوا المواجهات التي أشهر فيها بعض الشباب سلاح الكلاشنكوف في وجه شرطة “بوليساريو”، أثناء شجارين عائليين كان أولهما في أكتوبر 2016 بمخيم “اغوينيت”.
لا يستقيم أن ندعي أن المخيمات آمنة، ونحن نرى أن شجارا بين “أولاد دليم” و”لبيهات”، على شحنة من المخدرات، قد دفع بعضهم إلى إشهار السلاح لتخويف خصومه وإرغامهم على إرجاع الشحنة له، بل وطرد شرطة الجبهة من محيط منزله.
هل تناست القيادة ما قام به صلوح سالم، حين أطلق النار فوق رؤوس عناصر الأمن الصحراوي عندما حاولت اعتقال ابن اخيه، بحجة أنه ضالع في تهريب شحنة من سجن الرشيد الذي تحول إلى مخزن تابع لكتابة الأمن.
كل هاته الحقائق معروفة لدى الصحراويين في المخيمات. هؤلاء يعرفون قصص التهريب وتفاصيل التحاق الشباب الصحراوي بخلايا التطرف بشمال مالي والنيجر، ويعرفون أيضا تاريخ من بات يعرف بأبي وليد الصحراوي، الذي اعتنق فكر التطرف، وبات مطلوبا عند العالم، كأكبر إرهابيي المنطقة. أليس من الجنون أن تحاول القيادة أن تغطي الواقع الذي انكشفت تفاصليه لكل الناس، بكذبها ومتاجرتها بألم ومعاناة الصحراويين، في سبيل إرضاء نزواتها ونزوات من صنعوها، حتى أصبحت لغماً قابلا للانفجار في أي لحظة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق