fbpx
افتتاحية

الجدار الأخير

لا يحتاجُ المغاربة إلى دراسة واستطلاع ونتائج ونسب ليعرفوا أنفسهم ومن هم، ودرجة التذمر واليأس التي وصلوا إليها منذ عقود.
إن مؤشرات اللاثقة “في أي شيء” تقريبا، يمكن أن نقرأها في سحناتهم وملامحهم. في تعبيراتهم وسلوكهم اليومي. في ردود أفعالهم غير المتوقعة والعنيفة، وفي صمتهم وسهوهم ولامبالاتهم. في كسلهم وتواكلهم ونفاقهم الاجتماعي. في علاقتهم العامة والحميمية، ومع أسرهم ووسط أبنائهم. في قراراتهم الفجائية، وارتفاع نسب الجرائم والانتحار.
فلأسباب لم تعد تخفى على “صغير”، تحول المغاربة إلى حطام بشر، وفي أحسن الأحوال إلى كائنات بلا روح ولا رغبة ولا هدف في الحياة، يأكلون القوت وينتظرون الموت، وهم في ذلك يوجدون في حالة من الاستسلام إلى الأمر الواقع، بعد أن جربوا كل الحلول والمخارج وارتطموا بالحائط.
فأن يفقد إنسان ثقته في نفسه ومحيطه وعائلته، كما أظهرت آخر دراسة للمعهد المغربي لتحليل السياسات، فمعناه أنك أمام إنسان في حالة قصوى من اليأس، يمكن أن يصدر عنه أي رد فعل، ومعناه أيضا أنه فقد آخر رابط له مع الخارج، وهو الثقة، وهي ليست فقط مجرد شعور، بل بناء متراص بين الفرد والمجتمع، وبين الفرد ونفسه، والفرد والمؤسسات، ومتى اختل هذا البناء، فانتظر الكارثة.
إن الوضع يحمل كل مؤشرات الخطورة، وما صدر عن الدراسة من نتائج، ليس سوى الرأس الظاهر من جبل غارق في محيط بلا قرار حول حقيقة “الشعور”، الذي يكنه المغربي للآخر، وللصورة التي يحملها حول نفسه وحكامه ودولته وحكومته ومسؤوليه ومؤسساته الخاصة والعمومية، وحول حاضره ومستقبله.
فأن يقول ثلث المستجوبين في الاستطلاع (31.18 في المائة)، دون تردد، أنهم غير فخورين بمغربيتهم، فمعناه (عن طريق الإسقاط)، أن حوالي 11.5 مليون شخص لم تعد تربطهم بهذه البقعة الجغرافية سوى بطاقة التعريف الوطنية وعقد الازدياد، ووجودهم فيها مسألة وقت و”امكانيات” فقط.
المؤشر الآخر الأكثر خطورة، هو أن حوالي 90 في المائة لم يعودوا يثقون في محيطهم وعائلاتهم، إما بشكل مطلق أو جزئي، وهو مؤشر رهيب، يدفع إلى الانكماش على الذات ويخلق مجتمعا حذرا عاجزا عن العمل والعطاء والمساهمة، بمعنى أوضح مجتمع بلا فائدة.
إنه الدمار الشامل، الذي لا تنتبه إليه حكومة ومسؤولون يحلقون في سماء أخرى غير سماء المغرب، بدليل أن 80 في المائة من المستجوبين لا يعرفونهم، ولا يعرفون أسماءهم وماذا يفعلون بالضبط، أي أن الشعب في واد وحكامه الأعزاء في واد آخر، ليطرح السؤال الصادم: من يحكم هؤلاء بالضبط؟ ولمن يخططون؟ ولمن يناقشون قوانين ماليتهم وبرامجهم؟ ولمن يصنعون نماذج تنميتهم؟ وعلى أي أساس ودراسات وأولويات وانتظارات؟.
صورة أقرب إلى السواد أو هي كذلك، تتطلب وقفة عاجلة للتأمل والمراجعة.
وقفة للتصحيح والإصلاح الحقيقي.
قبل أن تقع الفأس في الرأس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق