مجتمع

محاباة في توزيع “ليفوتيروكس”

صيادلة أوضحوا أن مختبرات ترفض صناعة أدوية جنيسة بسبب سعرها المتدني

احتج عدد من الصيادلة على سياسة المحاباة في توزيع دواء «ليفوتيروكس» على مختلف الصيادلة، إذ لا يخضع، حسب المحتجين، لمعايير مضبوطة، فهناك صيدليات تحصل على 50 علبة أو أكثر من هذا الدواء، الذي يوصف للأشخاص الذين يعانون اختلالات في الغدة الدرقية، في حين أن أخرى لا تحصل سوى على علبة أو علبتين في الأسبوع، رغم أن عدد المرضى الذين يقصدونها يعدون بالعشرات.
أوضحت مصادر صيدلية أن هذا الدواء الذي يصنعه المختبر الألماني «ميرك»، يستورد بشكل حصري من قبل مختبر «كوبر»، ويتم تسويقه من قبل شركات البيع بالجملة على الصيدليات في غياب ضوابط ومعايير محددة ودقيقة، تأخذ بعين الاعتبار عدد المرضى بكل منطقة ويتم توزيع الدواء وفق هذا المعيار الموضوعي. لكن الطريقة التي يوزع بها الدواء تطرح أكثر من علامة استفهام، في غياب تام لمراقبة وزارة الصحة، الموكول لها تنظيم سوق الدواء.

وأشارت مصادر «الصباح» إلى أن الاختلالات في التزود بالدواء ترجع إلى نقص في بعض المواد التي تدخل في صناعة الدواء على الصعيد الدولي، لكن كان من المفروض على الوزارة التدخل من أجل تدبير الندرة وضمان وصول الدواء بشكل منتظم ومتناسب مع عدد المرضى في كل منطقة، إذ أن المحاباة في التوزيع تحرم عددا من المرضى من الحصول على الدواء.
وأكدت المصادر ذاتها أن وزارة الصحة ما تزال خارج التغطية في ما يتعلق بهذا الدواء، إذ لا تتوفر على المعطيات الدقيقة بشأن تموين السوق، فقد أصدرت بلاغا في شهر يونيو تفند فيه اختفاء الدواء عندما أثار الصيادلة غيابه من السوق، وتلقي بالمسؤولية على الصيادلة الذين يبيعون الدواء بكميات تفوق احتياجات كل مريض، وأكدت في بلاغها على أن الدواء متوفر بكل أصنافه. وتأتي الأزمة الحالية لتؤكد أن الوزارة لا تتوفر على المعطيات، وأنها تصدر بلاغات دون أي مستندات.

وأرجعت مصادر «الصباح» أزمة دواء «ليفوتيروكس»، بوجه خاص، إلى السياسة الدوائية المعتمدة بالمغرب، إذ قررت الوزارة تخفيض أسعار أدوية دون أن تتخذ الإجراءات المواكبة من أجل ضمان تزويد السوق بمختلف أصنافها. وهكذا تخلت بعض المختبرات على تصنيع عدد من الأدوية الجنيسة بسبب أسعارها المتدنية وضعف هامش ربحها، ما نتج عنه اختفاء عدد من الأدوية من الصيدليات، مثل الأزمة الحالية لدواء «ليفوتيروكس»، الذي لا يرغب أي مختبر في صناعة جنيسه، بالنظر إلى تدني أسعاره. وأوضحت المصادر ذاتها أن هناك أربعة أصناف، تسوق منها بالمغرب ثلاثة وهي «ليفوتيروكس» 25 ميكروغرام و 50 و 100، وتباع بأسعار 6 دراهم و 13.5 درهما، و24، وهي الأسعار التي لا تحفز المختبرات على صناعة جنيس هذا الدواء، بالنظر إلى ضعف هامش الربح.
واعتبرت مصادر «الصباح» أن السياسة الحكومية في هذا المجال تتسم بالعشوائية والارتجالية، إذ تم إقرار تقليص أسعار لائحة من الأدوية في غياب رؤية وإستراتيجية مواكبة لضمان عدم حدوث مثل هذه الاختلالات في التزود بالأدوية، إذ من الطبيعي أن المختبر لا يمكن أن يصنع دواء لا يغطي تكاليف صنعه أو يتيح هامش ربح ضعيف.
وحملت المصادر ذاتها الحكومة المسؤولية الكاملة في هذه الاختلالات، إذ كان عليها، عندما قررت تخفيض الأسعار، أن تتدخل، بتحفيزات ودعم مباشر للمختبرات، من أجل صناعة الأدوية التي يمكن أن يعرف إنتاجها بعض الاضطرابات. وأشارت بهذا الصدد، إلى أن هناك عددا من المختبرات تصنع أدوية جنيسة لدواء واحد، في حين أن أدوية أخرى غير مربحة لا يصنعها أحد، لذا يتعين على الدولة أن تلزم المختبرات أن تصنع الأدوية الجنيسة لهذه الأدوية التي يعرف تسويقها اختلالات، مقابل الترخيص لها بصناعة بعض الأدوية الجنيسة المربحة.

الوزارة خارج التغطية

يمكن أن تحصل على تصريح من مخلوقات فضائية تعيش في أقاصي المريخ، ولا تستطيع أن تفتح نافذة تواصل واحدة في وزارة الصحة. فالطرق إلى مسؤولي أكبر قطاع اجتماعي مقطوعة ومحفوفة بالتمويه والتماطل وترديد كلام “مافيراسيش، وامتى وقع هاد شي، وغادي نشوف، وتاصل بالمسؤول المباشر”، دون أن تحصل على “كيردون” تسلك به أسنانك.
زوال الأربعاء الماضي، اتصلنا برئيسة قسم التواصل والصحافة التي فتحت هاتفها بعد عشرات الرنات، وقالت لنا إنها توجد خارج المغرب، قلنا لا بأس “الغائب حجته معه”، وقبل أن أقطع طلبت منها هاتف مدير الأدوية لتقديم توضيحات حول دواء ليفوتيروكس فوعدتنا بانتظاره مع توصية منها للرد علينا.
مرت 24 ساعة، ونحن ننتظر مجرد هاتف يصلنا من المسؤولة عن التواصل والصحافة، وحين تعبنا أرسلنا لها تذكيرا مكتوبا، فردت بعصبية وقالت إنها أرسلتها أمس في “ميساجغي”، وهو الأمر الذي لم يحدث طبعا !!.
لعنا الشيطان ولد الحرام، وركبنا هاتف المدير الجديد لمديرية الأدوية، فظل الهاتف يجيب عشرات المرات، دون رد. قدرنا أن يكون المسؤول في اجتماع، فأرسلنا له رسالة خطية تعرف بهويتنا وطلبنا، دون أن نتوصل بجواب إلى حدود كتابة هذه السطور.
ي. س
عبد الواحد كنفاوي

دراجي: خصوصية دواء
> يعاني مواطنون ومرضى منذ أشهر من انقطاع وتذبذب بيع دواء “ليفوتيروكس”. لماذا يعزى الأمر بالنسبة إليكم؟
> بدأت الاضطرابات في ما يخص التزود بدواء ليفوتيروكس من يونيو الماضي، رغم المجهودات التي قامت بها الشركات المستوردة لتوفير الكميات الكافية منه، دون الوصول إلى مبتغى سد حاجيات جميع مرضى الغذة الدرقية. وفي اعتقادي أن سبب هذا الاضطراب يعود بالأساس إلى النقص الحاد في مادة “ليفوتيروكسين” في الأسواق العالمية. وبدا أن بعض المرضى بدؤوا يشعرون بعدم الثقة، إذ كلما وصلت كميات جديدة إلى الصيدليات لجؤوا إلى شراء عدة وحدات، يساعدهم على ذلك السعر المنخفض للدواء، ما يمكن اعتباره مؤشرا على تفاقم الوضعية.

> احتج صيادلة على سياسة المحاباة في توزيع الكميات المتوفرة من قبل الموزعين، كما احتج مواطنون على السلوك نفسه من قبل صيادلة..كيف تفسرون هذه التطورات؟
> فعلا، عوض أن يكون الدواء متوفرا لدى الصيدليات، أضحى موجودا في خزائن بعض المحظوظين من المرضى، كما لم يتعامل موزعون على نحو عادل مع الصيدليات، إذ فضلوا تزيد بعضها بكميات كبيرة جدا، بينما توصلت أخرى بكميات أقل.
وفي وقت لاحق، تدخل المجلس الوطني للصيادلة الذي راسل المزودين وأصحاب الصيدليات وطلب منهم تجنب كل ما من شأنه المساس بصحة المواطنين، وعدم المساواة في صرف الحصص إلى المرضى على نحو عادل، ما خفف نسبيا من أثر الوضعية، واستطاع بعض المرضى الوصول إلى الدواء. من جهتها، عقدت وزارة الصحة اجتماعا مع الشركات المعنية وطلبت منها تزويد السوق بـ370 ألف علبة شهريا، حسب الوتيرة المعتادة، دون المساس بالمخزون الاحتياطي، كما زارت لجان من الوزارة نفسها مقرات شركات التوزيع بالبيضاء والرباط ومكناس وفاس، لتقييم وضعية المخزون من دواء ليفوتيروكسوينبغي أن نشير أن الخصاص يمس فقط قطاع الصيدليات الخاصة، إذ يتوفر الدواء بكميات المعتادة في المستشفيات العمومية، علما أن الأمر قد يتفاقم في الشهور المقبلة، إذ لم تكثف المجهودات لحل المشكل.

> عرفت وتيرة بيع وتداول عدد من الأدوية اضطرابا ملحوظا. هل يمكن ربط ذلك بالسياسة الدوائية التي اعتمدتها الحكومة وخصوصا الشق المتعلق بالأسعار؟
> علاقة اختفاء الدواء والسياسة الدوائية المعتمدة من الدولة، يمكن النظر إليه من زواية أن الثمن المنخفض لدواء الغدة الدرقية أضحى في متناول الجميع تقريبا، ما دفع المواطنين إلى شرائه بكميات كبيرة وتخزينه خوفا من الانقطاع. كما تطرح خصوصية هذا الدواء مشاكل أخرى، إذ يعتبر دواء لمرض مزمن لا يمكن الإستغناء عنه مدى الحياة. ولحد الآن، لا يوجد أي دواء آخر معادل له، أو يتضمن التركيبة نفسها، علما أن البحث العلمي على قدم وساق لتقديم محلول يتضمن مادة “ليفوتيروكسين”.

عبد الرحيم دراجي * دكتور صيدلي

أجرى الحوار: يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق