افتتاحية

“الإلترات”

ليس هناك أسوأ من أن يستفيق تنظيم سياسي، أو هيأة حزبية، على قرع الطبول في المدرجات، وصدى الشعارات والرموز والإشارات والرسائل والأغاني “المختلفة”، التي يصدح بها آلاف الشباب، ممن سدت في وجوههم، جميع المنافذ، فلم يجدوا غير كرة القدم و”الإلترات” متنفسا.
لقد صنعت المجموعات المنظمة لمشجعي فرق الصفوة لكرة القدم (الوداد والرجاء والجيش واتحاد طنجة …)، في ثلاث سنوات الماضية، ما لم تفعله الأحزاب المغربية مجتمعة منذ الاستقلال، إذ استطاعت، بذكاء بليغ، أن تحشد حولها ملايين الشباب من داخل المغرب وخارجه، وحدتهم حول “شعارات” تجاوزت بكثير أهازيج المدرجات والتشجيعات العادية، إلى حمولات سياسية واجتماعية وصرخات في وجه الظلم و”الحكرة” والإقصاء والتهميش، سواء من قبل المجتمع، أو من قبل الدولة والحكومة والأحزاب، على حد سواء.
في البدء، كانت “الإلترات” مجرد مجموعات صغيرة من الصف الأول لمشجعي الفرق، نقلوا التجربة من مدرجات أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية سابقا، لخلق أجواء الفرح والترويح عن النفس، وإبداع لوحات فنية و”تيفوات”، لمد فرقهم بشحنات من المعنويات على امتداد دقائق المباراة، قبل أن تتحول إلى “ظاهرة” و”منصة” احتجاج، و”حاملة” مطالب وشعارات بحمولة سياسية واجتماعية واضحة، تحولت معها الملاعب إلى ما يشبه ساحة “هايدبارك” بلندن، حيث لا قيود على الكلام والتعبير والغضب والتفريغ.
إن الوضع سيء للغاية، حين تنزاح أهم فئة في المجتمع إلى خيارات أخرى وتختار التحليق بعيدا، في سماء تعبيرات جديدة، تحمل همومها ومطالبها وتعبر عن أولوياتها وانتظاراتها، في وقت توجد الأحزاب السياسية في مكان آخر، علما أن الدولة تصرف، كل سنة، ملايين الدراهم من أجل التأطير والتكوين والتعبئة والمتابعة اليومية للتغييرات الثقافية، التي يمكن أن تحدث وسط هذه الفئة ومتابعتها وإيجاد خيارات وتعبيرات مناسبة لها.
والأسوأ من كل ذلك، أن تحاول مجموعة من الأحزاب “اللهث” وراء التعبيرات الشبيبية الجديدة، وتصدر بلاغات محشوة بلغة الخشب لحث مناضليها وتنظيماتها الموازية لتدارك الهوة الكبيرة بينها وبين الشباب، ما يدعو، فعلا، إلى التأسي على الحال الذي آلت إليه أحزاب، أضحت مبرمجة على ثلاث محطات: الانتخابات وتسلم الدعم العمومي، ومناصب الريع الحكومي، والباقي كله تفاصيل بالنسبة إليها.
إن العمل رفقة الشباب (بمختلف توجهاته وانتماءاته ورغباته)، هو عمل دؤوب ومستمر ويخضع إلى منطق ورؤية واضحة، وبرمجة على المديين المتوسط والبعيد، وأهداف دقيقة تنجز بالمقرات وفضاءات التأطير العمومي، وليس لحظة “انفعال” برغبة الركوب على فعل سياسي قائم في مدرجات الملاعب.
فما تفعله بعض الهيآت السياسية، القانونية منها والمحظورة، انتحار سياسي بكل معنى الكلمة، حين يكتشف الشباب أن الأحزاب تنظر إليهم مثل أخشاب جافة لتسخين مدفآت الزعماء والقيادات، وليسوا فئة فاعلة ونشيطة وحيوية في المجتمع، لا يمكن إنجاز أي تغيير وتنزيل أي “نموذج” مهما كان بدونها.
فكفى من اللعب بالنار، التي قد تأتي على الأخضر واليابس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق