مجتمع

متسولون أفارقة يغرقون البيضاء

سلاحهم استدرار العطف بسحنات متعبة ومكانهم المفضل إشارات المرور

يفضلون المدارات والشوارع الكبرى للبيضاء، التي تعرف اكتظاظا ملحوظا، خاصة في ساعات الذروة، توقيتهم المناسب من أجل “اصطياد” أكبر عدد من السيارات والسائقين المتوقفين في إشارة الضوء الأحمر، قبل أن ينطلقوا من جديد نحو وجهاتهم. سلاحهم في استدرار العطف سحناتهم المتعبة وهيآتهم الفقيرة ونظراتهم المتسولة، رغم أن بعضهم يلجأ أحيانا إلى العنف من أجل الحصول على صدقة. إنهم المهاجرون القادمون من إفريقيا جنوب الصحراء، للاستقرار في المغرب، باعتباره محطة عبور نحو “الإلدورادو” الأوربي، قبل أن يقرر بعضهم أن يحط الرحال به، ويتخذ من التسول وسيلة من أجل كسب لقمة العيش. “الصباح” زارت بعض الشوارع والمدارات الكبرى بالعاصمة الاقتصادية، مثل الحي الحسني وشارع محمد السادس ومقبرة الرحمة، وعادت بهذه الورقة:

“ختي قتلونا… فين ما ندورو نلقاوهم… كثروا بحال سراق الزيت فالصيف”، هكذا تحدثت ل”الصباح” إحدى زائرات مقبرة “الرحمة” للترحم على والدتها، دون أن تفطن إلى الحمولة العنصرية التي تنز بها عبارتها ووصفها الأخير للمهاجرين المتحدرين من بلدان جنوب الصحراء، المنتشرين في محيط المقبرة وبجانب أسوارها، يطلبون الصدقات ويتسولون دريهمات أو بعض الخبز و”الشريحة” من زوار فضاء، الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.
تضيف متحدثتنا “لقد أصبحت أتخوف كثيرا حين أتوقف بسيارتي في الإشارة، خاصة في ساعات متأخرة من الليل, إذ سرعان ما يهجمون جماعة على السيارة، كل واحد منهم يرطن بكلمات سريعة، غير مفهومة، قبل أن يتعالى صوتهم الذي أسمعه من وراء زجاج النافذة، ومنهم من يضرب بشدة على الباب، مما يتسبب لي في خوف مريع أرغب معه في حرق إشارة الضوء الأحمر والفرار بجلدي من هؤلاء القوم العنيفين”.

“سيلفوبلي مدام… أنا جائع”

بوجوه متعبة ونظرات زائغة وعيون تعمق فيها الحزن والإحساس بالبؤس، يحملون أسمالهم وبطانياتهم وأطفالهم، منهم الحفاة ومنهم العراة، وجدوا في بعض مدارات وشوارع البيضاء ضالتهم. يتوقفون أمام الإشارات الحمراء، في انتظار توقف السيارات، لينهالوا على سائقيها بالطلبات والتوسلات، من أجل الحصول على دريهمات يسدون بها جوعهم. منهم من يتحدث فرنسية مكسرة، ومنهم من ينطق بعربية ركيكة… لا تهم اللغة في هذا السياق، لأن أغلبهم يستدر العطف بسحنته البئيسة وملامح وجهه التي تؤرخ لحكاية طويلة وأليمة عنوانها الفقر والحرب والصراعات والمرض… “سيلفوبلي موسيو… سيلفوبلي مدام… أنا جائع… جو فو مانجي” (أريد أن آكل)… في الوقت الذي فطن آخرون إلى طريقة أكثر دغدغة للمشاعر، وهم يرددون أمام الأسماع “أنا مسلم… أنا أخوك”.

“الله يحسن العوان”

الشرقاوي، سائق سيارة أجرة صغيرة، يحتك خلال يومه بالعديد منهم، يصادفهم في مختلف شوارع وأزقة البيضاء، مهنتهم الوحيدة، التسول. يقول في حديث إلى “الصباح”: “في الواقع، أشعر بتعاطف كبير معهم، خاصة حين يتعلق الأمر بالنساء والأطفال. وأستطيع أن أقول إنه لا يمر علي يوم من دون أن أتصدق على واحد منهم، ولو بدريهمات قليلة. الله يحسن العوان. فهم لاجئون بدون أكل ولا مأوى ولا مال… تركوا حياتهم من أجل مستقبل أفضل. وهي الوضعية التي يمكن لأي واحد منا أن يجد نفسه عليها اليوم أو غدا”. أما بالنسبة إلى العنف، فيقول الشرقاوي “أغلبهم مسالمون. وما كا يبقاش يحكر عليك إيلا قلتي ليه ما عنديش. كا يحدر راسو ويزيد تا كا يبقى فيك نتا الحال كاع اللي ما عطيتيهش”. ويضيف “كثير من الزبناء والراكبين الذين أحملهم معي في الطاكسي يشعرون بالتعاطف معهم ويمنحونهم المال. أتذكر أن زبونا أجنبيا، منح إحدى الإفريقيات التي كانت تحمل ابنها الرضيع 50 درهما”.

يضرون بصورة البلد

وإذا كان بعض المغاربة ينظرون بعين الرأفة والشفقة إلى هؤلاء المهاجرين المتسولين، إلا أن البعض الآخر، يجد أن الظاهرة قد تجاوزت الحد المقبول، وأصبحت تستدعي تدخلا من السلطات من أجل وضع حد لهذه الفوضى والتسيب التي أصبحت سائدة في شوارع البيضاء. يقول مراد، إطار بنكي، “تكافينا تا مع الطلابة المغاربة والدراري اللي كا يبيعو الورد وكلينيكس فالفوروج، تزادونا الأفارقة والسوريين تاه وما”، مضيفا أن منظرهم وهم يتسولون جماعات أمام إشارة المرور يضر بالسياحة وبصورة البلد ككل، كما يجعل المواطن عرضة لجميع أشكال التحرش والعنف.

“الطلابـة” نصابـون

رشيدة، ربة بيت، على عكسه، لديها وجهة نظر مختلفة تماما، فهي تفضل أن تمنح بعض المال لهؤلاء الأفارقة المهاجرين، على أن تمنحه للمتسولين المغاربة، الذين تصف أغلبهم ب”النصابة”. تقول في حديث إلى “الصباح”: “هاد الكوحل بعدا كا تحس بيهم مساكن وضريفين. ماشي بحال الطلابة دياولنا كذابين ونصابين. والشر خارج ليهم من عينيهم. ويلا ما عطيتيهش يشبع فيك سبان. هؤلاء الأفارقة يستحقون المساعدة، لأنهم بعيدون عن وطنهم ولا يجدون ما يسدون به رمقهم فعلا، ولا يمكنهم العمل لأنهم لا يملكون أوراقا ولم يسووا وضعيتهم. ولولا الظروف لكانت ربما حالهم أفضل”.

إنجاز: نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض