افتتاحية

تغول

لم يسجل في تاريخ الديمقراطيات الحديثة، أن اللعب في المنطقة الرمادية وسياسة خلط الأوراق، يؤديان إلى ازدهار الشعوب، بل يسهمان في العبث النقابي والسياسي وإفساد الحياة السياسية، والمساس بمصلحة الوطن ومواطنيه، مهما تعددت التبريرات أو صدقت النوايا.
علا ضجيج بعض المحامين والقضاة، في الآونة الأخيرة، وانتفض عدد من ممثليهم غاضبين ومهددين، ليس لأن السلطة القضائية مست في استقلاليتها أو أهينت، بل لأن قانونا صودق عليه بالإجماع تحت قبة البرلمان لم ترقهم مضامينه، واعتبروه حيفا ومسا بهم، ويستحق أن تُنظم ضده وقفات احتجاجية وإصدار بيانات للتنديد به… وليذهب فصل السلطات إلى الجحيم.
لا نحتاج لتذكير الغاضبين أن أحد أهم مرتكزات الأنظمة الحديثة، يتمثل في الفصل بين السلط، والتشبث باستقلالية بعضها عن بعض، واعتبارها “فرض عين” على الجميع، لأن ذلك مفتاح تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، فالفصل بينها، حسب المفكر الفرنسي مونتيسكيو، أحد مبادئ الديمقراطية، والنموذج الوحيد للحكم الديمقراطي، منذ عهود الرومان القدامى، مع ما يعني ذلك من احترام قواعد كل سلطة منفصلة ومستقلة في صلاحياتها ومجالات مسؤولياتها.
لن نجامل المحتجين من القضاة والمحامين، رغم إقرارنا بحقهم في الاختلاف في الرأي، لكننا نرفض إطلاقا المساس بمبدأ الفصل بين السلط، فالمحامون دعوا إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان للتنديد بتصويت نواب الأمة على المادة 9 من مشروع قانون المالية المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة، والتي تنص على “منع الحجز على أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية لتنفيذ أحكام قضائية”، وقضاة عقدوا اجتماعا استثنائيا لرفض المادة نفسها بمبررات عديدة، توحي بأن السلطة القضائية تمارس ضغطا على ممثلي الأمة للحد من اختصاصاتهم في التشريع، علما أن وقائع كثيرة كشفت كيف أن القضاة شنوا حروبا في وقائع عديدة، على ما اعتبروه تدخلا في مهنتهم والمساس باستقلاليتها، فكيف يستقيم الأمر بخرق مبدأ أساسي في الدستور؟
أخطأ القضاة والمحامون الغاضبون، هذه المرة بوصلة غضبهم، فالدستور واضح، ولا يحتاج إلى تأويلات أو خلط الأوراق، والاعتداء على فصل السلط يفقدها توازنها وتعاونها، باعتباره أحد أسس النظام الدستوري، إلى جانب الديمقراطية المواطنة والتشاركية ومبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أن تغول سلطة على أخرى لا يقود إلا إلى الاستبداد والانحراف السياسي، فالسلطة التشريعية مهمتها التشريع ومراقبة العمل الحكومي، والتنفيذية تسهر على تنفيذ السياسات العامة والقوانين التي يجيزها البرلمان، في حين تستأثر السلطة القضائية بالبت في النزاعات.
أصحاب البذل السوداء مدعوون إلى الاحتكام للعقل، ووضع مصلحة الوطن فوق المزايدات النقابية أو الجمعوية، فنواب الأمة يستمدون قوتهم وشرعيتهم من الشعب، المسؤول عن محاسبتهم، لا الضغط عليهم. إن الدستور الذي توافق عليه المغاربة لا مناطق ظل فيه ولا تغول لسلطة على أخرى، لأن تغول إحدى السلط على حساب أخرى، يؤدي إلى اختلال موازين القوى، ونكون حينها أمام سلطة مستبدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق