افتتاحية

الفرصة الأخيرة

شكل صدور القانون رقم 47.18، المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية وإحداث اللجان الجهوية الموحدة تقدما تشريعيا نوعيا في مجال تحفيز الاستثمار، إذ أصبح الأمر يتعلق بمؤسسات عمومية بمجالس إدارية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، وليست مجرد مصالح تابعة، ما يفرض إعمال عقلية متقدمة عند التنزيل على أرض الواقع، بالنظر إلى أن تشجيع الاستثمار لا يقتصر على وضع الآليات القانونية، بل كذلك إجراءات تنظيمية كفيلة بالجواب عن سؤال طالما طرحه أهل القطاع، مسؤولين ومرتفقين، على حد سواء.
لابد من الاعتراف بأن في ثنايا القانون المذكور جهدا تشريعيا، لكنه لن يقدم إضافة في المجال، إذا لم يواكبه تطور ميداني تمنح فيه الكلمة لأصحاب الاختصاص ومحترفي التسويق، بدليل أن المشرع لم يجد بدا من إحداث منصب جديد بعيد عن تجاذبات المجالس الإدارية، التي ستشهد حتما فصلا جديدا من فصول حرب قديمة بين المنتخبين وسلطة الوصاية، يتعلق الأمر بالمدير العام، الذي سيكون دوره إستراتيجيا لأنه مؤتمن على تثمين الثروات المادية وغير المادية في الجهة، لا أن يعتكف في مكتبه لدراسة الاستثناءات الخاصة، كما كان الحال في السابق، باعتراف من عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، الذي بدأ مسار مسؤولياته في أحد تلك المراكز في بداياتها الأولى، قبل أن تنحرف عما خطط لها.
ولن تغنم الجهات الاثنتا عشرة شيئا من الحرب الشرسة على استقطاب الاستثمارات إذا تم الإبقاء على سيادة مفهوم كلاسيكي للتسويق الترابي “حدو طنجة”، لا يتجاوز حدود المملكة، فبدون إحداث ثورة في مجال تدبير الاستثمارات لن يستقيم السير، خاصة في جهة البيضاء سطات، التي تتحدى المنتخبين والإدارة الترابية بانتظارات كبيرة تتطلب جهودا مضاعفة في حجم تجمع سكاني مليوني، صناعي ومالي وعمالي، اعتبر منذ فجر الاستقلال القلب النابض للاقتصاد الوطني.
أن تكون البيضاء في الريادة الوطنية، لن يعفيها من دخول غمار المنافسة الإقليمية، ولم لا العالمية، لأن القيمة المضافة لن تأتي إلا بالبحث في بورصات الاستثمار العالمي للوصول إلى مصاف المدن الصاعدة، على غرار عواصم الشرق الأقصى والشرق الأوسط، وحتى في القارة الإفريقية، التي يملك فيها المغرب امتيازا جغرافيا يجعل منه بوابتها الرئيسية على العالم، ما يعني أن الرهانات تجاوزت مطلب الشباك الوحيد للاستثمار، ويجب أن يصبح متنقلا كذلك.
القرار الاستثماري أصبح جهويا، لكن في الحدود المرسومة من قبل الدولة، التي عليها أن تعلن ماذا تريد، فعلى غرار مهن المغرب، وجب تحديد مهن الجهات، لذلك سيكون على الحكومة أن تحدد الأهداف والغايات في إطار إستراتيجية عامة ورؤية واضحة، من شأنها تحسين استثمار بنيات تحتية كثيرة ونوعية منجزة في البيضاء على الخصوص، منذ 2014، وحان الوقت لإخراجها من مستنقع المضاربة والريع.
الظرفية استثنائية، والوضع لم يعد يقبل مزيدا من التجارب الفاشلة، فعلى المديرين الجدد أن يكونوا سفراء جهاتهم، يبحثون عن رؤوس أموال ويسوقون مزايا الجهات، لتكون أكثر جاذبية للاستثمار والمستثمرين، وهذه فرصتهم الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض