افتتاحية

أحلاهما مر

بين المادة 8 مكرر في مشروع قانون مالية 2017، والمادة 9 من مشروع قانون مالية 2020، لم تستوعب الحكومة الدرس، بل أصرت على ارتكاب الخطأ نفسه، واختيار “الحل السهل”، أي الالتفاف على أموال الغير، بدل الاجتهاد في إيجاد علاقة طبيعية وسلسة مع شركائها وأصحاب الشركات، دون اللجوء إلى القضاء.
فخلال ثلاث سنوات، ظل العقل الحكومي جامدا في النقطة نفسها، واعتبار أي حجز على أموال الدولة مرفوضا وممنوعا تحت أي ظرف، وسيجت ذلك بفصل في قانون المالية لسد أي ثقب يمكن أن يمر منه الدائنون الحاملون لسندات، أو أحكام قضائية تنفيذية نهائية ضد الدولة، ولم تسمح لهم بالمطالبة بالأداء إلا أمام مصالح الآمر بالصرف للإدارة العمومية.
وتشير المادة 9 من مشروع قانون المالية إلى أنه “في حال صدور قرار قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه ستون يوما، ابتداء من تاريخ تبليغ القرار القضائي في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية”.
وليس لعبارة “في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية” أي معنى آخر، غير “جرجرة” الدائنين وذوي الحقوق وأصحاب الأحكام القضائية النهائية إلى أجل غير مسمى، دون الحصول على سنتيم واحد من الدولة، ما يهدد عددا من المقاولات في وجودها.
وبهذه الصيغة، تضع الحكومة المغاربة أمام “سيناريوهين”:
فإما أن تحذف المادة 9 من مشروع قانون المالية، وتسمح بالتالي إلى آلاف الدائنين بالحصول على أموالهم ومتأخراتهم عن طريق الحجز على أموال الدولة ومقدراتها، وهنا سنستفيق على صندوق فارغ، قد يعجز حتى عن أداء أجور آلاف الموظفين العموميين.
وإما فرض القانون على الدائنين وأصحاب الأحكام النهائية ومنعهم من تسلم مستحقاتهم المالية، “إلا في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية”، ما سيهدد النسيج الاستثماري والاجتماعي بالإفلاس، علما أن آلاف الشركات تدفع من أموالها الخالصة لإنجاز مشاريع للدولة، في انتظار التوصل بالأغلفة المالية المستحقة.
وإذ نعتبر أن هذا التسييج القانوني لحقوق الدائنين، هو الحل “الأمثل” (مؤقتا) لحماية السلم الاجتماعي وعدم إيقاظ الفتنة، فإننا نطالب الحكومة، في الوقت نفسه، بتحمل مسؤوليتها لوضع نقطة نهاية لواقع قانوني ومالي شاذ، قد تنتج عنه كوارث مستقبلا.
إن الحكومة باعتبارها أول مستثمر وأكبر منتج للصفقات العمومية والمشاريع في جميع القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية وشبه العمومية، عليها أن تتفقد “جيوبها” للتأكد ما إذا كانت تتوفر على أموال كافية لإنجاز برامجها الاستثمارية، ولديها السيولة المالية، مع وضع جميع الاحتمالات لأداء مستحقاتها في آجال مضبوطة تحدد بقانون.
خارج ذلك، سيكون من العبث، في كل مرة، اللجوء إلى قانون المالية لـ”أكل حقوق الناس”، بداعي حماية أموال الدولة من الحجز.
فالحجز على أموال الدولة، أهون من فقدان الثقة فيها.
فقد تعوض الأموال، لكن من المستحيل إعادة أجزاء ثقة تكسرت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض