اذاعة وتلفزيون

“كنوز الإسلام في إفريقيا” … طقوس وفنون

رحلة عبر ثلاث مراحل لإثبات العمق الحضاري الإفريقي

يسلط معرض “كنوز الإسلام في إفريقيا من تمبكتو إلى زنجبار”، الذي تحتضنه الرباط إلى غاية 25 يناير المقبل، الضوء على موضوع لم يسبق تناوله من قبل، ويتعلق بانتشار الثقافة الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء والتعريف بالإنتاج الفني لمجتمعاتنا.

قال المهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف المنظمة للمعرض بشراكة مع معهد العالم العربي بباريس ووزارة الثقافة والشباب والرياضة وأكاديمية المملكة المغربية، إنه يعتبر حدثا مهما لتسليط الضوء على 13 قرنا من التاريخ.
وبحكم تنوع وغنى التراث الثقافي، فإن المعرض يقدم منتوجات وتحفا من إفريقيا الغربية والقرن الإفريقي ووادي النيل الأعلى والفضاء السواحلي، لأن هذه الجهات كانت على احتكاك منذ القديم بالعالم العربي الإسلامي، الذي كان يسمي هذه المناطق بلاد السودان.
ويبدأ مسار المعرض باستكشاف الطرق الأولى لانتشار الإسلام جنوب الصحراء منذ القرن الثامن الميلادي بواسطة القوافل التجارية في الناحية الشرقية ثم الغربية، إلى جانب الدور، الذي لعبه الحج وبعض الحواضر، التي كان لها إشعاع فكري بارز، كما أن بعض القوى السياسية فرضت الإسلام.
ويتناول المعرض بعد ذلك الطقوس الدينية المتنوعة للأفارقة المسلمين ودور الزوايا الصوفية البارز انطلاقا من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويتيح المعرض إلقاء نظرة جديدة على إفريقيا وعوالم الإسلام فيها، جاعلا من الفن المعاصر مدخلا للتعرف على تراثها المادي وغير المادي.
ويتطرق معرض “كنوز الإسلام في إفريقيا من تمبكتو إلى زنجبار” إلى ثلاثة محاور وهي طرق انتشار الإسلام والطقوس والممارسات الدينية والفنون الإسلامية جنوب الصحراء.
ينظم المعرض في ثلاثة فضاءات ذات رمزية خاصة في الرباط، فقد تم اختيار قاعتي باب الرواح والباب الكبير للأوداية لما لها من رمزية في ماضي المعالم الأثرية للمدينة، إلى جانب متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر.

خصوصيات الثقافة الإسلامية الإفريقية

يمر زوار معرض “كنوز الإسلام في إفريقيا من تمبكتو إلى زنجبار” برحلة تشمل ثلاث محطات كبرى تضم مسارات انتشار الإسلام جنوب الصحراء والممارسات، التي تعكس تمثل الأفارقة لهذا الدين مما يؤكد استقلال الثقافات الإسلامية الإفريقية بخصوصياتها المحلية وتعابيرها المتنوعة.
ويدعو المحور الأول للمعرض بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر زواره إلى اكتشاف تحف قديمة، حيث يتناول موضوع انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء بطرق سلمية متعقبا خطى التجار.
نتج عن تبني حكام الدول الإفريقية للإسلام تقدمه البطيء على طرق التجارة، وفي نهاية القرن الخامس عشر، يسر ازدهار المراكز الفكرية الإسلامية في هذه المناطق انتشار تعاليم الإسلام ونقل المعارف المرتبطة به. وفي القرن التاسع عشر، انطلقت حملات كبرى للجهاد في بعض المناطق.
اعتنقت مجتمعات جنوب الصحراء الإسلام بشكل طوعي، وأتاح لهم هذا الدين الولوج إلى شبكة معولمة وربط علاقات مع شركاء من آفاق بعيدة، وباندماجها في عالم أوسع عززت النخب الإفريقية مكانتها الاجتماعية وسلطتها في المجتمع المحلي.
ويعتبر التجار المسلمون أول من نشر الدين بفضل توفر شبكة واسعة من الطرق التجارية، إذ هناك ثلاث واجهات بحرية كانت مهيمنة وهي البحر الأحمر والمحيط الهندي ومنطقة الساحل.
ويتطرق المحور الثاني بالمعرض الذي يحتضنه متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر إلى موضوع الطقوس الدينية، حيث تعكس القطع المعروضة تنوع المجموعات الدينية وثراء الاحتفالات الطقوسية، التي تمزج بين الغناء والآلات الموسيقية والحركات الجسدية. وينعكس الاستيعاب المتسامح للإسلام في استمرارية الممارسات التعبدية السابقة، كما يتضح من استخدام الأقنعة واستعمال الطلاسم والتعويذات.
وانطلاقا من شمالي مالي أدخل الشيخ سيدي مختار الكنتي 1869 إلى الجنوب من الصحراء إحدى أهم الطوائف في العالم الإسلامي وهي الطريقة القادرية، كما اجتذبت التيجانية، التي ظهرت في المنطقة المغاربية، عددا كبيرا من الأتباع، من موريتانيا إلى السودان. وظهرت في السنغال طائفة خاصة، هي المريدية وفي شرق إفريقيا ظهرت عدة طرق آخذة في النمو مثل الشاذلية والعلوية.
أما المحور الثالث للمعرض بالفضاء ذاته فيتطرق إلى موضوع الفنون الإسلامية جنوب الصحراء، من خلال مجموعة القطع التي تؤكد تجاوز تأثير الإسلام الجانب الديني، إذ أحدث تحولا عميقا في الثقافة المادية لإفريقيا جنوب الصحراء، لذلك فإن هذا التراث الفني هو نتيجة قرون من تبادل المهارات والأفكار والسلع عبر مسافات جغرافية.
وفي القارة الإفريقية، غالبا ما يتم حصر مجال الفنون الإسلامية إلى الشمال من الصحراء، ومع ذلك، فقد سمح تنقل الحرفيين والسلع بنقل التقنيات وانتشار الأشكال والزخارف في وقت مبكر جدا، كما شجع أيضا على التنافس بين الحرفيين إلى جانب ما تولد عن ذلك من تفسيرات جديدة ويتجلى هذا التلاقح في مجالات النسيج أو الجلود أو الصياغة.

الهندسة المعمارية للمعالم المقدسة

يهدف المعرض الذي يحتضنه فضاء باب الكبير إلى إبراز خصوصية أشكال الهندسة المعمارية الدينية في إفريقيا جنوب الصحراء، وتقديم المهارات المحلية التي كانت وراء نشأة هذا التراث واقتراح مسار لزوار المعرض من خلال جغرافية القارة والتعريف ببعض المعالم الإسلامية، فيها مثل مسجد التوبة في هرار.
ويسلط معرض فضاء باب الكبير الضوء على القارة الإفريقية منذ القرن الثامن الميلادي، وتحديدا في وادي النيل الأعلى وإفريقيا الغربية، حيث نشأت جماعات مسلمة. وقد أدى تطور الثقافة الإسلامية إلى التأثير بقوة في هذه المجتمعات سواء في نمط عيشها اليومي أو مهاراتها الفنية.
وأدى التأثير الديني إلى بروز فضاءات مقدسة تولدت ضمنها هندسة معمارية جديدة، فشيدت مساجد منذ القرن التاسع الميلادي في أماكن قديمة للعبادة أحيانا، وما ميزها أنها احتوت مبادئ العمارة الإسلامية دون التخلي عن عاداتها المحلية.
وتعتبر القطع المعروضة شاهدة على تاريخ الإسلام في القارة الإفريقية ومن بين المعالم الإسلامية المشهورة مساجد جيني بمالي وهرار بأثيوبيا، إذ تندرج ضمن الجغرافيا المقدسة للإسلام إلى درجة تجاوزت شهرتها حدود القارة الإفريقية.

التفاعل الروحي

يفتح معرض فضاء باب الرواح أمام زواره الفرصة للتعرف على الحفلات والتعبيرات الفنية المتعلقة بالتيارات الروحية من حيث الإيقاع والأغاني والكتابة، إلى جانب إتاحة فرصة التحاور ما بين الفن المعاصر والتراث غير المادي.
ومن جهة أخرى، يتيح فضاء باب الرواح استكشاف تيارين من التيارات الروحية، التي نسجت ما بين المغرب الكبير وإفريقيا الغربية وهما كناوة والزاوية التيجانية.
ويعود انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء إلى المبادلات التجارية، التي استمرت لعدة قرون ما بين هذه المنطقة وإفريقيا الشمالية، وقد ترتبت عن ذلك نشأة فضاء ثقافي مشترك يتأسس على الإيمان بالإسلام السني والمذهب المالكي.
وانطلقت تيارات الصوفية من الصحراء في عهد المرابطين ونشأت الطرق الصوفية في المغرب الكبير خلال القرن السابع عشر، وانتشرت من خلال الطرق العابرة للصحراء وطرق الحج ومن أشهرها الطريقة التيجانية، التي تضم آلاف المريدين من المغرب ونيجيريا.

أمينة كندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق