fbpx
ملف الصباح

الاعتراف غاية والتعذيب وسيلة الطواغيت للوصول إليه

هيأة الإنصاف والمصالحة رسمت خارطة التعذيب وطرقه في المغرب في تقرير رسمي

“التهديد بالقتل والاغتصاب، والسب والقذف واستعمال كافة الوسائل التي من شأنها الحط من الكرامة، وضع أصفاد باليدين وعصابة على العينين قصد حجب الرؤية والمنع من الحركة، العزل عن العالم الخارجي وما ينتج عنه من إحساس بانعدام الأمان، الحرمان من النوم، المنع المطلق من الحديث مع باقي المعتقلين، تعذيب أحد أفراد العائلة أو الأقارب أو التهديد بذلك، “التعلاق” (يتم رفع الضحية إلى أعلى وتكون أطرافه الأربعة مكبلة في وضعية تحدث آلاما مبرحة) والذي يكون مصحوبا بالضرب على الرجلين وأجزاء أخرى من البدن، الكي بواسطة السجائر، اقتلاع الأظافر…”.
هذه الكلمات لا تصف مشهد فيلم رعب أمريكي محكم الإخراج ومتين الحبكة، بل إنها خلاصات 23 شهرا من التحريات والتحقيقات الميدانية قامت بها هيأة الإنصاف والمصالحة وقدمتها إلى الرأي العام المغربي والدولي في 30 نونبر 2005، تسرد معها أشكال التعذيب الذي كان يسومه الكثير من الجبابرة للآلاف من المغاربة خلال الفترة ما بين 1956 و1999؛ ألوان من التعذيب البدني والنفسي كانت كلها بغرض الوصول إلى اعترافات، حتى ولو كانت كاذبة في الكثير من الأحيان.
أساليب طواغيت تلك الحقب السوداء لم تتوقف، وفق تقرير الهيأة، تشمل أيضا “الإرغام على شرب مواد ملوثة، والإرغام على الجلوس على قنينة، وإجبار المعتقل على البقاء؛ باستمرار ومنذ حلوله بالمعتقل غير النظامي؛ في وضعية ثابتة، إما قعودا أو انبطاحا على الأرض، مقيد اليدين ومعصوب العينين؛ باستثناء الفترات التي يتعرض فيها للتعذيب، ومنع الكلام والتواصل بين السجناء، وسوء التغذية من حيث الكيف والكم، وعدم السماح بالذهاب إلى أماكن النظافة إلا نادرا وحسب مشيئة الحراس، وانعدام الشروط الأولية للنظافة وعدم السماح للمعتقل بالاستحمام إلا بعد شهور من الاعتقال؛ وكان هذا الوضع يتسبب للنساء في معاناة نفسية؛ خاصة خلال فترات الحيض، وانتشار القمل وغيره من الحشرات المؤذية، وعدم تقديم العلاجات، في حال المرض وحالات الاستعجال القصوى، إلا بعد فوات الأوان، وحرمان النساء في حالات معينة من المساعدة الطبية في حالة إسقاط الجنين أو الوضع”.
أساليب بشعة لا يقدر على مقاومتها إلا النزر القليل من المعتقلين، أما الباقون فكانوا ينهارون فيعترفون بما يعلمون وحتى ما لا يعلمون، أما رجال الأمن بكل أسلاكهم وعناصر الأجهزة السرية والجلادون فكانوا يغتنمون فرصة هذا الانهيار والعجز على مقاومة أشكال الإذلال لتدبيج محاضر كانت تُرسل أصحابها إلى ما وراء الشمس، أو غياهب المعتقلات السرية عبر المملكة في أحسن الأحوال، حيث تتفاقم المعاناة وينعدم مستوى الحياة إلى درجات أقل من الصفر وحيث يتواصل انتهاك الكرامة البشرية بشكل لا يمكن أن يخطر على بال كل الخبثاء وذوي النفوس المريضة.
الخوف كل الخوف أن يكون ما تتحدث عنه المنظمات الحقوقية الدولية والوطنية من أن ما تحدثت عنه هيأة الإنصاف والمصالحة وربطته، تاريخيا، بين سنتي 56 و1999، ما يزال ممارسة جارية في مخافر الشرطة وكل مصالح الأجهزة والمؤسسات التي من المفروض أن تسهر على ضمان أمن المغاربة، وعندها ستكون البلاد، بعد 20 أو 40 سنة، مضطرة إلى إجراء مصالحة ثانية مع الذات يتكرر معها المسلسل نفسه ونظل نلف في حلقة مفرغة.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى