افتتاحية

“حكام البيرو”

ستحتاج البيضاء إلى عقود لإصلاح ما أفسدته بعض شركات التنمية المحلية، وإلى سنوات أخرى لنسيان الكوارث التي تسببت فيها منذ 2008.
فباستثناء الخطين الأول والثاني من الطرامواي اللذين يمكن اعتبارهما أهم مشروعين في السبع سنوات الاخيرة، لا شيء يبعث على الاطمئنان بأن البيضاء ستركبُ في القريب العاجل قطار التنمية، والأحرى أن تكون قاطرة لها.
وحتى بالمقارنة مع مدن مغربية (حتى لا أقول أجنبية تفاديا للتجني)، توجد العاصمة الاقتصادية في موقع لا تحسد عليه يهدد مكانتها قطبا ماليا ومركزا للاستثمار، ويضعها في موقع أقرب إلى “دوار كبير” بكل ما تحمله الكلمة من عشوائية وسوء تنظيم وابتزاز وانتهازية.
ولم يعد سرا أن بعض شركات التنمية المحلية الموجودة الآن خارج أي نوع من أنواع المراقبة المالية والإدارية، تعد واحدا من أسباب هذا التردي العارم الذي تعرفه المدينة.
فحين نص المشرع على إحداث تغييرات في أنماط تدبير الاختصاصات الخالصة، أو المنقولة، وإحداث شركات للتنمية المحلية لسد ثغرات ونواقص أنماط التدبير الأخرى، مثل التفويض المباشر أو التدبير المفوض، لم يكن يعتقد أنه يوقع على شهادة وفاة الجماعات الترابية، وقتل فكرة الديمقراطية المحلية في مهدها، لفائدة من يسمون، اليوم، “تقنقراطيي المدن” الذين يبرمجون ويقررون وينفذون جميع الأعمال دون خوف من المحاسبة.
ويحدث هذا الوضع اليوم بالبيضاء (لاعتبارات مختلفة) واقعا ملتبسا وحالة من الغموض، ويجعل سؤال من يحكم المدينة مشروعا ومتجددا لعدة أسباب من وجهة نظرنا:
أولا، الحضور الطاغي لشركات التنمية المحلية ومديريها العامين في جميع الأوراش والمشاريع والبرامج.
ثانيا، اعتبار الدعم الذي تتوصل به هذه الشركات مصاريف إجبارية لا يمكن تأجيلها أو التصرف في فصولها، ولو اقتضى الأمر اللجوء إلى الاقتراض.
ثالثا، حالة الاستسلام القصوى والخنوع الذي يقبل به المكتب المسير للجماعة الحضرية تجاه هذه الشركات، بل والخوف من مجرد الحديث إلى بعض مديريها، أو استدعائهم إلى اللجان والدورات.
رابعا، الهامش الكبير للتصرف في المشاريع المهيكلة الكبرى التي تنفذ بالمدينة، تخطيطا وبرمجة وتنفيذا وتسلما، ما يطرح سؤالا عن دور المنتخب، والفائدة من وجود 300 منهم اليوم بالمدينة.
خامسا، وجود هذه الشركات في حالة سراح كبير غير مشروط بأي نوع من أنواع المراقبة، قبلية كانت أم بعدية، مالية أم إدارية، أم تقنية.
سادسا، هذا التسامح مع المراقبة أنتج سلوكات في التدبير أقرب إلى “الفوضى الخلاقة”، التي تبيح لمدير شركة “سوبيرمان” أن يشتغل لوحده دون مدير تقني، ويفصل ويخيط مشاريع وصفقات عمومية بالملايير بمفرده، ويقرر ما يشاء بالمدينة دون حسيب أو رقيب.
وتشكل هذه الأسباب عناصر صك اتهام لعشرات المنتخبين الذين باعوا المواطنين/ الناخبين لشركات مجهولة، وصك اتهام أيضا لأجهزة المراقبة وهيآت التفتيش بالداخلية والمالية والمجلس الأعلى للحسابات التي تغض الطرف عن التجاوزات والمجازر التي ترتكبها هذه الشركات في حق المال العام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض