fbpx
حوادث

دراسة: برنامج “أخطر المجرمين” والصبار والخلفي والبرلمان (الحلقة الثالثة)

 

اتهام البرنماج بجعل المجرمين أبطالا تهيؤات ساذجة

 

منذ مدة غير قصيرة وبرنامج «أخطر المجرمين» يتعرض لسيل من الانتقادات، هي عبارة – في مجملها وتفصيلها – عن لغط لا يليق به إلا وضعه تحت عنوان: «غير جيب أفم ؤكول «. والحق، أن هذا اللغط السخيف كان يثير لدي بحرا من مشاعر الغضب والاستياء، لأنني كنت أدرك أن أصحابه سيلحقون بالبرنامج أذى كبيرا يصل إلى درجة الجريمة. كل ما سبق ذكره بشأن محنة برنامج أخطر المجرمين أضعه تحت عنوان عريض هو «أننا متهمون بالتشهير بالسجناء وإلحاق الأذى بأسرهم والمتاجرة بمآسيهم». فجأة تم فتح جبهة أخرى ضدنا. والعجيب أنها جبهة مناقضة تماما لجبهة التشهير، أما عنوانها العريض فهو «أننا نجعل من المجرمين أبطالا ومن الإجرام نجومية». «يا إلاهي فين كنا وفين صبحنا!»، كأن الذين وصفونا بالتشهير قوم موجودون في أرض ما، والذين وصفونا بتعظيم المجرمين قوم آخر في أرض أخرى.. في حين أننا أمام قوم واحد، وفي أرض واحدة، لكن أفراد هذا القوم يقيمون في برج بابل، ولهذا تفرقت ألسنتهم وتضاربت عقولهم..
البرلمانيان والوزير               
   لقد فتح هذه الجبهة فريق التجمع الوطني للأحرار، وتبعه الفريق الاستقلالي. وبغض النظر عن أي تحفظات أو اعتبارات أو مواقف لدي إزاء برلماننا بحكم أنني عشت في أحشائه عندما كنت أعد برنامج «مجلة البرلمان»، بغض النظر عن كل ذلك يتعين علينا جميعا أن ننصت باحترام كبير للبرلمانيين، فهم ممثلونا أمام الدولة المغربية وأمام الدول والأمم. وبدورهم ينبغي لهم أن يقولوا – حين يتكلمون في البرلمان – حقا أو يصمتوا. (ؤفي القهاوي يقولو للي بغاو).
   تعود وقائع القضية إلى خبر صغير نشرته صحيفة في قلب صفحتها الأولى يزعم فيه شخص من منطقة سيدي بيبي بأكادير – قام بقتل مشغلته وصديقته الأجنبية عن طريق الخنق، وأتبع ذلك بإحراق جثثها وذر رمادها كالسماد في الحقول حتى يخفي معالم الجريمة – يزعم أنه تعلم طريقة تنفيذ جريمته تلك من برنامج «أخطر المجرمين».
 حمل  البرلماني الحذق هذا الخبر الصغير جدا على كتفه إلى قبة البرلمان وألقاه في شكل سؤال آني على مصطفى الخلفي وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، وأعقب ذلك بقوله « إن المجتمع المدني يدين البرنامج، لأنه يعلم الأطفال والشباب الجريمة، وأنه يقدم المجرمين أبطالا وذوي شخصية كاريزمية». وجاء بعد ذلك برلماني من الفريق الاستقلالي وأطلق دعوته الخطيرة « يجب وقف بث البرنامج، لأنه ينتج جيلا جديدا من المنحرفين الذين يعملون على تفادي أخطاء من سبقوهم في الإجرام»..
الوزير في ردوده داخل البرلمان وعلى الصحافة لاك الكلام نفسه: «لا يجب على البرنامج أن يقوم على حساب أمن المجتمع وحرمات الناس». «إن القنوات العمومية تسير نحو مراجعة برامج الجريمة من خلال الحوار والتطوير والارتقاء بأدائها وفق أخلاقيات المهنة». ثم تحدث عن «ضرورة تحديث قواعد سيكون أهمها عدم إبراز المجرمين أبطالا أذكياء». وأخيرا دعانا إلى  التوقف عن «تعليم تقنيات البوليس في اكتشاف المجرمين، حتى لا يستفيد منها آخرون».
نبدأ الآن المناقشة، ونبدأ ببرلماني التجمع الوطني للأحرار الذي قال «إن المجتمع المدني يدين هذا البرنامج». لن أصفه بالكذب رغم أنه كاذب، ولكني أصفه بأنه يتحدث عن شيء لا يفهم معناه. فالمجتمع المدني ليس هو شخصيا ولا الفريق الذي وافقه على هذه الصياغة لسؤاله الآني. المجتمع المدني هو الجمعيات والمنظمات الاجتماعية والثقافية والتربوية.. هل قدم للبرلمان تقارير صادرة عنها تدين البرنامج؟ المجتمع المدني هو أيضا الرأي العام، فهل استفتاه البرلماني؟ المجتمع المدني هو كذلك مؤسسات الإعلام..فهل قرأ البرلماني ولو في صحيفة أو مجلة واحدة افتتاحية أو مقالا موقعا باسم كاتب صحفي يدين البرنامج. فكل ما قامت به الصحف – منذ  ظهور البرنامج إلى اليوم – هو نقل الأخبار الواردة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان وعن السجناء وعن وزارة الاتصال. لم تتخذ أي جهة موقفا ضد أو مع البرنامج، لأنها كانت تدرك أننا نقدم عملا مغربيا بمستوى رفيع من الجودة  مع احترام أخلاقيات المهنة. أما عن تهمة «إننا نبرز المجرمين كشخصيات كاريزمية»، فأشك أن البرلماني يعرف معنى الكاريزما، لأنه يلصقها بمن نقدمهم أشخاصا أميين، بؤساء، عنيفين، شاذين نفسيا أو جنسيا…  
أما بالنسبة لبرلماني الفريق الاستقلالي، ذي الصولة والصولجان، الذي طالب بوقف بث البرنامج، فليس لي في مواجهة عقليته إلا الدعاء له بالشفاء..؟؟ لأنه لا يعقل أن يقف برلماني يمثل حزبا وأمة ودولة ويطالب بوقف برنامج دون أن يكون في يده دليل علمي على ما يقول. وهل شكل فريقه المحترم (كل أنواع الأسئلة تلقى باسم الفرق والمجموعات) لجنة من خبراء الحزب للوقوف على الخطر المزعوم للبرنامج، ثم حمل الفريق تقريره إلى البرلمان؟ كأن برامج التلفزيون صحون على مائدة هذا البرلماني يتناول منها ما يشاء ويزيل ما يشاء. ولو طالب برلماني في الدول الديمقراطية بوقف برنامج دون سند علمي لقامت عليه الدنيا ولم تقعد.        
  وأنتقل إلى الوزير وأسأل: كيف سمح للبرلمانيين أن يصدروا أحكاما خطيرة على برنامج يهم قناة عمومية بناء على خبر ميكروسكوبي غير مؤكد. وحتى إن كان صحيحا، فقد تسرب من تحقيقات الشرطة الجنائية غداة القبض على المجرم، والمحققون لا تهمهم هذه التفصيلة في عملهم، فما يهمهم بالدرجة الأولى هو «الاعتراف، والأدلة، ومعرفة الدافع». ويمكن لقاضي التحقيق أن يهتم بالأمر، ولكنه لن يذهب بعيدا. وربما النيابة العامة تهتم بهذه التفصيلة، لكنها في الغالب ستنتظر محامي المجرم إذا اعتمد على قول موكله وطلب الخبرة.. هذه كلها احتمالات، أما من يهمه الأمر بالدرجة الأولى فهو الوزير، لأن أحد برامج التلفزيون العمومي الوصي عليه أصبح متهما بالتحريض على القتل وإلحاق الضرر في المجتمع من قبل مجرم، وكان عليه أن يسارع ويدخل طرفا في القضية للتحقق من مزاعم المجرم واستجلاء الحقيقة. لماذا يفعل ذلك؟ لأن كلام المجرم أصبح دليلا بيد البرلمانيين، وانطلى عليه أيضا.
 وقبل ذلك، كان على الوزير أن يطلب جميع أشرطة البرنامج ويجند مستشاريه وأعوانه لمشاهدتها والتأكد إن كانت هناك حلقة تناولت جريمة تتفق مواصفاتها في العموم أو في التفاصيل مع جريمة سيدي بيبي. والحال أنه ليست هناك أي حلقة فيها «استدراج، فخنق، فحرق». وكان عليه أن يقول للبرلمانيين: «المجرم ليس موضع ثقة، وقد درسنا جميع الحلقات وليس هناك تماثل بين مضامينها وما يدعيه».
 لقد جرى اتهام البرنامج أيضا بأنه يجعل من المجرمين «أبطالا». ولعمري تلك تهيؤات ساذجة. فما معنى «البطل»؟ إذا كانوا يعنون أن المجرمين هم الشخصيات الرئيسية في البرنامج، فالجواب: لا، لأن البرنامج يقوم على ثنائية الخير والشر، ويتقاسم الحضور فيه، على مستوى الزمن الفعلي والحكائي «المجرمون والمحققون»، فكل حلقة تمثل تجاذبا وصراعا بين الطرفين. أما إذا كانوا يعنون ب «البطل» الشخصية النموذجية، والذكية والقوية، فالمؤكد أن من يمثلها هم المحققون. فالعبرة بالخواتم، إلا إذا كان البرلمانيون والوزير يشاهدون الدقائق الخمس الأولى من البرنامج. فماذا تقول رسالة البرنامج؟ إنها تقول مهما استذكى المجرم،  فالبوليس أذكى منه بعشرات المرات، وهو لن يفلت من مصيدة الشرطة ومن قصاص العدالة. أعلم أن المسؤولين عنا في جميع المجالات تعودوا على الكراسي أمام الكاميرات ليلقوا مواعظهم. «هادشي ما تينفعش ديما»، فالتلفزيون هو الصورة والحركة (الروبورطاج، التحقيق، الوثائقي، وهلم جرا…)  وإذا لم نجتهد ونتطور فالمغاربة يملكون «الريموت كونترول» و»عزيز عليهم الزابينغ».
تفتق ذهن الوزير الذكي فنهانا عن «إظهار تقنيات البوليس في التعرف على المجرمين حتى لا يستفيد منها آخرون». يالله، الوزير أعرف في مجال التحقيق الجنائي من الإدارة العامة للأمن الوطني التي تتعاون معنا في هذا الشأن. أو أن الإدارة العامة للأمن الوطني اشتكت إليه لأنها «خجلت منا ولم تستطع أن تجرح عواطفنا»(!!). ألا يعلم السيد الوزير أن المحققين الجنائيين (الميدانيين والعلميين) يتعلمون فك ألغاز الجرائم من العلوم الطبيعية والفيزيائية والكيميائية، ويتعلمون أيضا من المجرمين (الخبرة).
يذكرني كلام الوزير برواية أمبرطو إيكو «إسم الوردة». يتناول هذا العمل العظيم موقف الكنيسة في العصور الوسطى من الفلسفة. ويحكي قصة رهبان يموتون بمجرد أن يقرؤوا كتاب الشعر لأرسطو. وكانت قيادة تلك الكنيسة تبرر هذا الموت أمام الرهبان الأحياء بأن هذا الكتاب ملعون، وبالتالي تنزل اللعنة على كل من تصفحه فيموت. فجأة يظهر راهب حكيم وشرع في التحقيق السري حول القضية، ليكتشف أن صفحات الكتاب كانت مطلاة بسم قاتل خفي، فكان كل من يتصفحه يضطر إلى مسح أصبعه (السبابة) على طرف لسانه حتى يبتل باللعاب فتسهل عملية قلب الأوراق. بهذه العملية كان السم يلج إلى فم القارئ فيموت. وكانت وراء هذه الجريمة قيادات الكنيسة التي كانت تخشى من الفلسفة، لأنها  قادرة على هز عرشها.

بقلم: حسن الرميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى