fbpx
افتتاحية

أصدقاؤنا

فقد المغرب، أول أمس (الخميس)، صديقا من طينة الكبار، كسر، على مدى ثلاثة عقود، الصورة النمطية عن علاقة فرنسا بمستعمرتها القديمة، ورفعه إلى مستوى الشريك الحقيقي، قولا وفعلا وروحا إنسانية، انتصرت لقيم الجوار والاحترام والتبادل.
فلم تلد فرنسا مثل هذا الباريسي الأنيق مساندا، بلا قيد أو شرط، للقضايا الحيوية للمملكة سواء في فرنسا، أو في المحافل الدولية، إذ حمل الرجل المغرب مثل ابنه الصغير وأحاطه بكل ما يملك من عطف ودعم في وقت كان البلد، منتصف التسعينات وبداية الألفية الثالثة، في حاجة إلى أصدقاء دوليين حقيقيين، وهي الفترة “الحساسة” التي تزامنت مع التهييء الهادئ لانتقال سلس للسلطة من ملك إلى ملك.
فمنذ انتخابه رئيسا لفرنسا في 1995، وحتى حين كان عمدة لباريس على مدى 18 سنة متتالية، أو رئيسا للوزراء لولايتين من 1974 إلى 1988، كان المغرب نقطة أساسية في جدول أعمال شيراك، كما كانت عينه على التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يمر منها بلد جار، يشق طريقه وسط صعوبات سياسية ومالية متعددة، فكان له محاميا ونصيرا ومستشارا وشقيقا، حتى أن المغاربة لا يتذكرون اسما من أسماء رؤساء الجمهورية الخامسة سواه.
ربط شيراك علاقة متميزة مع الملك الراحل الحسن الثاني الذي دعاه إلى زيارة رسمية إلى المغرب أحاطه المغرب فيها بأنواع الحفاوة، وزار عدة مدن لأول مرة، وألقى خطابا مؤثرا أمام أعضاء مجلس النواب، كما عاد إلى زيارة المغرب في عهد الملك محمد السادس الذي اعتبره أبا وحليفا إستراتيجيا في بداية وضع اللبنات الأولى للعهد الجديد.
ولا يذكر التاريخ أن شيراك استعمل لغة خشب في علاقته مع المغرب. وظل يعتبر أن قضية مثل الصحراء المغربية واستكمال الوحدة الترابية خط أحمر، لا يمكن أن يكون موضوع ابتزاز أو مساومة، أو مقايضة من أي نوع، كما فعل رؤساء سابقون ولاحقون من دول مختلفة في تعاطيهم مع هذا الملف.
ففي العهد الرئاسي لشيراك (1995-2007)، ظل المغرب مطمئنا للموقف السياسي الفرنسي المساند، دون أي مجهود دبلوماسي، بفضل رجل كان عارفا بخبايا ملف مفتعل وخلفياته الجيوسياسية، و”الجهة” التي تصر على خلق كيان وهمي في هذا الجزء من المغرب.
وعلى خلاف أغلب قادة فرنسا وسياسييها ورؤسائها، الذين كانوا مسيجين بواجب التحفظ إزاء مستعمرة قديمة، لم يتردد ابن الضابط العسكري، في إعلان عشقه للمغرب الذي تحول، في ما بعد، إلى مسقط للقلب، حين اختار تارودانت مقاما لآخر العمر، وظل هناك وسط أهالي المدينة، حتى اشتد عليه المرض، ونقل إلى باريس، وبالضبط بالمقاطعة الخامسة، حيث أسلم الروح إلى باريها.
موت أفجع المغرب، أكثر من الفرنسيين أنفسهم، في زمن يندر الحصول على أصدقاء من طينة الكبار.
أصدقاء في كل بقاع العالم مؤثرين وبأصوات مسموعة في المحافل الدولية، يعتبر وجودهم حيويا لمساندة ودعم القضايا الكبرى للبلد.
أصدقاء أوفياء قد يجود بهم الزمان (صدفة) مثل شيراك، لكن مفروض أن نسعى وراءهم ونصنعهم ونحافظ عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق