المغرب الرياضي لا يمكن أن يحقق المبتغى في ظل إهمال المغرب الثقافي أو أي مغرب آخر انتهت الألعاب الأولمبية البريطانية، وفعلا اندهش المتتبعون لحفل الافتتاح الذي كان بحق عملا فنيا في غاية الروعة. كما أبانت الألعاب مستوى الأمم والشعوب، وكشفت ما تختزنه من جدية واهتمام بواقع الرياضة والمنافسة الشريفة. لكن الحصيلة غير المشرفة للمغرب في هذه الألعاب، وفي غيرها من المناسبات العربية والإفريقية والدولية، لا يمكن إلا أن تبرز واقعا لم يبق ما يسوغه بكل الوسائل، ولعل أهمها التغاضي عن هذا الواقع، وكأنه قدر مقدور مع عدم التفكير في الإقدام على إخراج الواقع الرياضي المغربي مما هو فيه.أسيل مداد كثير على الورق، وخرجت أنفاس كثيرة على الشاشات والأمواج، وكانت كلها ترسم خرائط واقعنا الرياضي وتكشف ملابسات التعثر الدائمة. ويوميا تخصص الجرائد مساحات واسعة لتتبع مجريات المغرب الرياضي. كما تفرد القنوات المختلفة، بما فيها القناة الثالثة، ساعات كاملة، بل أسابيع لرصد وتشريح وتحليل مشاركاتنا العجفاء. ومع ذلك، ولعله بسببه أيضا، لا نجد إلا «كل الصيد في جوف الفرا»؟ فلا حياة لمن يُنادَى، وكأن الأيدي «مثقفة» عن تقديم شيء ما لفائدة تطوير القطاع الرياضي المغربي.لو أن الالتفاف العام حول «المغرب الرياضي»، والرعاية الزائدة التي تصل حد الدلال، والاهتمام الزائد الذي يحظى به هذا القطاع من لدن المسؤولين، من أرفع المستويات إلى أدناها، ومن قبل كل وسائل الإعلام السمعية والمرئية والمكتوبة، ولو أن الميزانيات المرتفعة التي تخصص له... لو أن كل ذلك صرف منه العشر لفائدة «المغرب الثقافي» لكان المغرب بلدا آخر، ولكان واقع الإبداع والإنتاج الفكري والعلمي يجعل المغرب يتصدر قائمة البلدان العربية والإفريقية، بل والعالمية. ورغم ذلك، مع حصول الفارق الذي يقاس بالزمن الضوئي، نجد مثقفينا، رغم كل ما يمكن أن يقال عنهم، يشاركون بإمكاناتهم الذاتية في تأليف الكتاب وترجمته وطبعه، والمساهمة في جوائز عربية ودولية، ويبقى العديد منهم ضمن اللوائح النهائية، والعديد منهم يحصلون على تلك الجوائز، دون أن يكون لوزارة الثقافة أو وزارة التعليم أي دور، سواء في الترشيح أو في بعث المؤلفات، المكلف جدا، إلى الجهات المعنية، بدل المترشح؟يسجل هدف مغربي بالخطأ أو بالصدفة، فيملأ الدنيا ويشغل الناس، فترى ذلك بالصوت والصورة وبكل اللغات، في مختلف وسائل الإعلام، ويظل يذكر أبد الدهر، ويُذكَّر به في مختلف المناسبات. ويَصدر كتاب فكري أو نقدي أو رواية، فلا نقرأ عنه حتى إشارة تافهة في زاوية من جريدة. ويُتعاقد مع لاعب في فريق أجنبي، فنجد الإعلام يتحدث بالتفاصيل عن تاريخ اللاعب ولائحة أهدافه، وانتقالاته بين الفرق الوطنية والأجنبية، ونوعية الأقمصة التي ارتدى، والأرقام التي رسمت على قميصه. ويحصل مثقف مغربي على جائزة عربية أو دولية، فنعتبر نشر صورة له مع الفائزين، وخبرا صغيرا عن الجائزة أسفل الصورة، بمثابة حدث ثقافي وانتصارا للمغرب الثقافي، وانتزاعا لاعتراف من لا يريد الاعتراف بالثقافة المغربية وإنجازات مثقفيها؟ كان التمييز، في عهد الاستعمار، بين المغرب النافع والمغرب غير النافع. وها نحن، على مدى أكثر من نصف قرن من الاستقلال، أمام التمييزات القديمة نفسها، وأضيف إليها حاليا التمييز بين مغرب وآخر. وفي معرض مقارنتنا بين المغرب الرياضي والمغرب الثقافي، نجد أنفسنا أمام تمييز له أكثر من دلالة، ويكشف بالملموس الاحتقار والتهميش اللذين يتعرض لهما المغرب الثقافي، ويمس بشكل مباشر الثقافة وكل المثقفين وأي عمل ثقافي. لا أريد أن يفهم من كتابتي هذه أنني أفاضل بين مغرب وآخر، وإلا وقعت في التمييزات التي أدينها. ولا أريد القول بأن علينا الاهتمام بالمغرب الثقافي، لأن له إنجازات هامة، رغم التقصير في شأنه، على حساب المغرب الرياضي الذي لا يعرف إلا الإخفاق المتواصل رغم التطبيل والتهليل. ولكني فقط، أبغي التشديد على مسألة الإنصاف بين مغرب وآخر، وألا نعنى بمغرب بتهميش آخر. والمنطلق الذي يتحكم في هذه الرؤية يجد مستنده في أن المغرب كل لا يتجزأ، وأنه لا يمكن أن "يتطور" مغرب، وآخر "متخلف". فالمغرب الرياضي لا يمكن أن يحقق المبتغى منه في ظل الإهمال الذي يتعرض له المغرب الثقافي أو أي مغرب آخر: تربوي أو سياحي أو اقتصادي أو اجتماعي...آية هذه الرؤية الشمولية في التعاطي مع القطاعات والوزارات، والتي يغيب فيه التمييز المجحف السائد عندنا، ما نجده على المستوى العالمي، حيث التطور متكافئ بينها جميعا. فالدول والشعوب التي تصدرت لائحة الميداليات الذهبية في الألعاب الأولمبية البريطانية، وهي أمريكا والصين وبريطانيا، نجدها نفسها التي تحتل الصدارة في ترتيب جامعاتها على المستوى الدولي. أما المغرب "الرياضي" الذي لم يفز بغير ميدالية نحاسية في هذه الألعاب، محتلا بذلك أدنى الرتب فهو نفسه "المغرب الثقافي" الذي لم تحتل أي من جامعاته أي رتبة على المستوى العالمي، في مختلف التقارير الدولية في هذا الشأن. أو ليس هذا الكعك إلا من ذاك العجين؟ إن مغربا يرهن "رياضته" الشعبية (كرة القدم)، والتي كان المغاربة فيها روادا على المستوى العربي والإفريقي لمدرب أجنبي، مقابل الملايير، هو نفسه المغرب الذي يرهن "تعليمه" وسياسته التربوية لبيداغوجي أجنبي مقابل الملايير. ما النتيجة؟ ما الفرق بين غيريتس وكسافيي؟ وأيهما ساهم في تطوير المغرب الرياضي أو المغرب التربوي؟ عندما تسند الأمور إلى غير أهلها، فلا يمكن انتظار غير هذه النتائج؟ هل يمكن أن نتصور تطور الرياضة المغربية بدون تطوير "الثقافة" و"التعليم"؟ فالرياضة حين لا تبدأ من ساحة المدرسة، وملاعب الجامعة، وحين لا تمارس منذ الصغر، وتسير جنبا إلى جنب مع أي تكوين، غير جديرة بأن تكون رياضة. فالرياضة قبل أن تتحول إلى مقاولة و"بيزنس"، هي فن وتربية وثقافة وأخلاق.منذ مدة والمغرب يضع ترشيحه لاحتضان مناسبات رياضية عالمية أو إفريقية؟ طموح مشروع، لكن بأي إرادة وعزيمة؟ بأي تدبير وتخطيط؟ بأي رؤية وتصور؟ هل يفلح المغرب في تقديم مثل العرس الافتتاحي بالإبداع الفني والجمالي الخلاق الذي رأيناه في الصين وبريطانيا، والذي يعكس واقع الفن والأدب في هذين البلدين؟ بأي خيال وإبداع وبأي ثقافة وطنية، وبخبرات وطنية سنقدم مثل ذلك العرس؟لم ننهزم في الرياضات التي شاركنا فيها، وهي هزيلة جدا، فقط، بل أضفنا إليها "شوهة" المنشطات. "تلاقات الشبة والطرطور، وجات الصباغة نايرة". ما الفرق بين المنشطات والمخدرات وتزوير الانتخابات والغش في الامتحانات؟ أليست كلها سليلة جبة واحدة مصبوغة بصباغة واحدة هي الفساد؟ ما أجمَل الصفح وأجْمِل بالعفو والشعب المغربي "قلبه كبير" ومتسامح، يقول لمن قال: "شمتتك، عرفتك" لكن العفو يجب أن يكون مشفوعا بالتوبة. وكما يكذب المفسدون بجرأة نادرة تصل حد الوقاحة، لتكن عندهم الجرأة والشجاعة السياسية، مرة واحدة، للإعلان عن أخطائهم، وآنذاك سنكون "أولاد اليوم"؟يقول عبد المجيد بنجلون عن أطفال سيرته إن "رؤوسهم في أرجلهم"، وهو يقصد مهارتهم العفوية الفائقة في لعب الكرة. لكننا نفكر في صناعة أرجل بدون رؤوس. فهل يمكن الاهتمام بأرجلنا في غياب رؤوسنا؟ إن اهتمامنا بأرجلنا على حساب رؤوسنا، يجعل أرجلنا بلا رؤوس، ورؤوسنا بلا أرجل. فلا مغرب رياضي بلا مغرب ثقافي... وحين تكون الطريق التي تسلكها أرجلنا، في غياب رؤوسنا، مليئة بالمنعطفات الصعبة في المنحدرات الخطيرة، فليس أمامنا والله غير الهاوية. فمن يُعبِّد الطريق ويصلحها لتكون "سيارة" لكل المغاربة وبدون تمييز ولا مطبات؟ ذاك هو سؤال المتابعة والحكامة والجودة والصلاح. بقلم : سعيد يقطين, كاتب وناقد