fbpx
اذاعة وتلفزيون

حمدوشي … حالة إنسانية لن تتكرر

أصدقاء الكاتب الراحل ينعون رائد الرواية البوليسية

يصعب التحكم في شلال الشهادات التي قدمت في حق الراحل ميلودي حمدوشي. أصدقاء وأدباء ومخرجون وأمنيون ورجال قضاء وطلبة وأشخاص عاديون تحدثوا عن الرجل بكثير من الافتتان والسمو واعتبروا هذا العبدي القادم من تخوم ثلاثاء بوكدرة حالة فريدة لن تتكرر في المغرب. شهادات من القلب مستحقة في حق رجل عاش، طيلة حياته التي تزيد عن سبع عقود، صديقا للجميع،
رغم أن مهنته الأصلية (ضابط أمن، ورئيس للشرطة القضائية)، كان من المفروض أن تجعل منه “عدوا” بلا منازع، لكن شاء أن يتحدى قانون الطبيعة.

حسبي: رجل الكلمة

“رحيل ميلودي حمدوشي بمثابة خسارة كبيرة لا تعوض، بالنسبة إلي وإلى كل من عرفه، على المستوى الإنساني والأكاديمي والأدبي.
ربطتني بالراحل علاقة صداقة وطيدة، ولمست فيه أصالة الإنسان والأديب، فهو “رجل عندو الكلمة” وكذلك رجل مبادئ، ولا يمكن أن يرد من قصده خائبا مهما بلغت به الظروف والأحوال.
نشأت معرفتي به منذ سنوات طويلة خلت، حين بادر بالتعرف علي لأكتشف فيه مسؤولا أمنيا شغوفا بعالم الثقافة والفكر، وعاشقا للدرس الجامعي والأساتذة الجامعيين، إذ كان مهووسا بالتحصيل الأكاديمي، ويحذوه طموح كبير في أن يطور مداركه في هذا المجال، وهو ما تأتى له ليصير واحدا من أكبر المتخصصين في القانون الجنائي في المغرب، مستفيدا من ذلك من ما راكمه من تجارب من خلال تدرجه في أسلاك الأمن وتوليه مهمات مختلفة في مجال الشرطة القضائية، كما حصل شهادات جامعية من كليتي الآداب والحقوق.
ورغم أنه التحق بسلك الأمن منذ بداية السبعينات وتمكن في فترة وجيزة من فرض اسمه بفضل كده واجتهاده، ليتبوأ مسؤوليات أمنية مهمة، إلا أنه لم يكتف بمنصبه وموقعه، بل سعى إلى تطوير نفسه مدفوعا بميله للثقافة والفكر والأدب إذ كان قارئا كبيرا لا يفارق الكتاب أينما حل وارتحل، ما جعله قريبا من المثقفين والأدباء ونسج معهم علاقات إنسانية وطيدة، وهو ما لمسته من خلال مجالساتي معه في حضرة الكاتب الراحل محمد زفزاف الذي كنا نتردد عليه كثيرا.
كما حرص حمدوشي على أن يظل فنانا وزاهدا في نمط عيشه، إذ كثيرا ما كان يهيم على وجهه باحثا عن فكرة شاردة أو موضوع يحوله إلى مادة أدبية وروائية، كما كان يغوص في تلافيف المجتمع المغربي، ملتقطا منه صورا ومشاهد يعيد استثمارها في أعماله الأدبية، فضلا عن ولعه بالأدب والثقافة الشعبية، وهنا كنا نشترك معا في انتمائنا إلى منطقة عبدة بإقليم آسفي إذ تعود جذور الراحل إلى منطقة “ثلاث بوكدرة” على وجه التحديد، وهو الانتماء الذي ظل يعتز به، وبتراثه الفني والشعبي.
وحين كان ينطلق لسان ميلودي حمدوشي متحدثا عن المغرب، يصير نهرا دافقا بلا توقف، يأسر به سامعيه ويشدهم إليه، مظهرا معرفة عميقة بالبلد وثقافته وخصوصيته”.
استقاها: عزيز المجدوب

الحمدوشي ينعي حمدوشي

“امتزج مدادنا فأعطى نوعا أدبيا عالميا.. مات كولومبو المغرب.. عاش le polar marocain… الراحل ميلودي حمدوشي امتاز بقدرته الفائقة على رصد تطورات المجتمع المغربي خاصة خلال فترة نهاية التسعينات، وتمكن من التقاط هاته التحولات في أعماله الأدبية، سواء التي اشتركنا في تأليفها أو التي حررها بمفرده.
كما تمكن الحمدوشي من موقعه مسؤلا أمنيا، من إعطاء صورة إيجابية عن رجل الأمن، كما سجل اسمه في مساره المهني في سلك الأمن بمداد من الفخر والنزاهة، وهو ما جعل الصحافة المغربية بما فيها صحافة المعارضة سنوات الجمر والرصاص، تنفتح عليه وتحتفي بتجربته المهنية أو الأدبية، رغم ما جلب له ذلك من متاعب ومضايقات بحكم أن التوفيق بين المجالين لم يكن سهلا.
لقائي الأول بالراحل حمدوشي كان ببيت الأديب الراحل محمد زفزاف، منتصف التسعينات، الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة مثلما ربطته بأدباء آخرين، مثل إدريس الخوري ومحمد شكري وغيرهما. وكنت أسمع باسمه، رغم أن تشابه لقبنا العائلي محض صدفة ولم تكن تربطنا قرابة عائلية، وتصلني أصداء سمعته الطيبة مسؤولا أمنيا أو أستاذا جامعيا وباحثا أكاديميا، وكان حينها يهيء أطروحة دكتوراه، كما بدأ في كتابة رواية بعنوان “مجتمع الصدفة”.
وخلال مسامراتنا في بيته بدار بوعزة، ضواحي البيضاء، بحضور العديد من الوجوه الأدبية والجامعية والفنية، لمست في الراحل شغفا خاصة بالثقافة الشعبية، كما كانت تحذوه الرغبة في كتابة عمل يسبر في أغوار المجتمع المغربي بطريقة مختلفة، وهو ما جعلنا نفكر بشكل مشترك في تحقيق هذه الفكرة.
وهكذا تبلور مشروع أول رواية بوليسية مشتركة ألفناها معا، وهي رواية “الحوت الأعمى” التي تحولت في ما بعد إلى عمل تلفزيوني، ثم ترجمت إلى اللغة الإسبانية، وهو الأمر الذي انطبق أيضا على الرواية الثانية وتحمل عنوان “القديسة جانجاه”.
ورغم المضايقات التي عاشها ميلودي حمدوشي خلال أدائه لمهامه المهنية، بسبب حرصه على أن يكون نزيها ولا يستسلم للإغراءات ولا المساومات، وانتهت بتقديمه استقالته من سلك الأمن، فإنه سرعان ما عاد إلى هذا المجال مرفوع الرأس بل وبمنصب أرفع من خلال إشرافه على أكاديمية الشرطة، التي رسم فيها توجها خاصا في التكوين، مثلما كان له الفضل في تشجيع عدد من أطر الأمن على مواصلة تكوينهم الدراسي الجامعي.
استقاها: ع. م

أكضيض: عاشق الكتاب

الرجل أعطى نموذجا حيا للشرطي المثالي، فلم يلهه عمله الميداني عن استكمال دراسته، وظل محبا للكتب سواء في مجال القانون، أو الأدب، كما زاوج بين أصدقاء من سلك الأمن وآخرين من سلك الأدب، ولم ينقطع عمله رغم تقاعده، إذ ما أن وضع نهاية لمهامه الأمنية، حتى أخرج ما في جعبته، وألف الكتب، بل وحاز الدكتوراه في الحقوق، ثم أصبح مشرفا على ماستر في العلوم الجنائية، حيث فتح الباب للعديد من المسؤولين الأمنيين والأطر لاستكمال دراستهم، إذ أصبحوا يتخذونه قدوة. والأهم من كل ذلك أن الرجل أصبح محاميا في هيأة باريس، وله باع في الاجتهاد القانوني. أخيرا لا يمكن أن أقول إلا رحمه الله رحمة واسعة، وما هذا الحضور الذي تشرف بتوديعه إلى مثواه الأخير، إلا دليل على سمو الأخلاق وحميد الصفات، التي كان ينعم بها الراحل.
استقاها: مصطفى صفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى