fbpx
بانوراما

إمبراطورية الجنرالات … إبعـاد جـيـل بأكـمـلـه

إمبراطورية الجنرالات 3

عقيد سابق يحكي كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها منذ 1988

كشفت إفادات عسكريين جزائريين قرروا الهروب من قلعة الجيش الجزائري أن الجنرالات لا يمكن ائتمانهم على مآل الحراك، وأن المحاكمات الجارية ما هي إلا تصفية حسابات مع سياسيين ورجال أعمال تجرؤوا على سطوة الثكنات على النظام، كما هو الحال بالنسبة إلى محمد سمراوي، الجنرال قائد الأمن العسكري سابقا، الذي تؤكد روايته في كتاب “سنوات الدم” أن حملة مكافحة الفساد ما هي إلا وسيلة للسلطات لمحاولة تقسيم الحركة الاحتجاجية، وتصفية حسابات داخلية، وأن مرحلة ما بعد بوتفليقة الجزائر بلغت نقطة مفصلية، إما أن تبدأ السلطة في إصلاحات لتغيير النظام ككل، أو العودة إلى أصلها الاستبدادي.
وتؤكد مجريات الأحداث بعد انتفاضة 1988 كيف أمسكت “عصابة” الجيش بقلب السلطة في الجزائر وحافظت على ريعها، وتعد سوق العقارات من الأسواق الخصبة لـ”بزنس عسكر الجزائر”، إذ كشفت التحقيقات الأخيرة مع خمسة جنرالات امتلاكهم لثروات كبيرة، وشركات عقارية برؤوس أموال ضخمة.
ياسين قُطيب
إعادة هيكلة الجيش خوفا من انقلاب عسكري
حاول الجنرالات بقيادة العربي بلخير التخلص من الضباط الذين كانوا يعارضون هذا التوجه السائد، خاصة منهم ضباط الأمن العسكري، وهو ما يفسر عملية إعادة هيكلة الجيش، التي شُرع فيها في منتصف الثمانينات، توخيا للحيطة والحذر من احتمال وقوع أي انقلاب عسكري، من جهة، وإبعاد جيل كامل من الضباط المتحدرين من جيش التحرير الوطني الجزائري من جهة أخرى، وبصفة خاصة أنصار الحزب الواحد المتحمسين له وللعقيدة الاشتراكية.
كان التطهير فرصة للجنرال بلخير، الرجل القوي فعليا في السلطة، أن يعمل على تركيع “المصالح” أو على الأقل إضعافها بهدف التخطيط “لاستحقاقات” قادمة، ووضع “رجال من زمرته أوفياء لسياسته وينفذون تعليماته على الرأس والعين”، إذ ذكر سمراوي عشرات الحالات الخاصة بالضباط المبعدين وخاصة المديرين العامين مثل الرواد حاج عمر جرمان ومعروف عبد العلي ومحمود زيادة على مستوى الناحية العسكرية الخامسة ، دون أن يشير بالاسم إلى أولئك الذين لا يعرفهم شخصيا.
نهجت عملية التطهير الأسلوب نفسه في النواحي العسكرية الأخرى، حيث سقط محمد بوقلاب من قسنطينة وعلي عميرش من سطيف وبلقاسم مناسل من باتنة، وعبداوي من سطيف ومحمد الصالح المدعو “فليو” من عزابة، بالإضافة إلى رؤساء مكاتب أمن القطاعات الموزعين على الولايات، كما هو الحال بالنسبة إلى الملازم عبد الله صحراوي من عنابة، وبلقاسم درموني من تبسة والصديق من خنشلة، وعمور من سكيكدة وغيرهم.
وتمخضت عن ذلك أزمة حقيقية أصبح جهاز الأمن العسكري يتخبط فيها، بعدما أغرق في مستنقع من المشاكل المصطنعة جراء النزيف الذي أصابه نتيجة ذهاب العديد من الضباط الأكفاء إلى التقاعد، وبالتالي عجز العديد من أطره عن فهم وإدراك خلفيات وأبعاد أحداث أكتوبر 1988، التي رسمت منعطفا حاسما في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال، إذ شهدت البلاد بين 5 إلى 10 أكتوبر من السنة المذكورة تمردا شعبيا غير مسبوق راميا مئات الآلاف من الشباب في شوارع وطرقات كبريات المدن مهاجمين كل رموز النظـام، ومقرات حزب جبهة التحرير الوطني، والوزارات والبنوك والمحلات التجارية التابعة للدولة.
وفي المقابل كان القمع شرسا، خاصة بعد إعلان حالة الطوارئ، إذ لم يتردد الجيش تحت قيادة الجنرال خالد نزار في إطلاق النار على الحشود، موقعا أكثر من خمسمائة قتيل وقد ألقي القبض على الآلاف من المتظاهرين الذين كانوا يعذبون بصفة تلقائية، لكن سرعان ما عرف ضباط الاتجاه المعاكس أن تلك المظاهرات كانت نتيجة تدبير مخطط من “أصحاب القرار” التابعين لزمرة العربي بلخير، تعمدوا عن قصد التسبب في نقص بعض المواد والسلع ذات الاستهلاك الواسع في السوق ليُشعلوا فتيل الفتنة، واضعين أمامهم هدفا أساسيا هو تحطيم حزب “جبهة التحرير”، والشروع في تحقيق نوع من الانفتاح السياسي “المراقب” الذي يخدم شهيتهم في الفوز بالسلطة والثروة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى