fbpx
ملف الصباح

حق الفرد ومصلحة الجماعة

خطاب الحكامة لتبرير الحركة تكذبه وقائع التعسف في العديد من القطاعات

عادة ما تثير حركة التنقيلات التي تعرفها بعض المصالح والإدارات موجة احتجاجات في أوساط الموظفين، بالنظر إلى تداعياتها على استقرار الأسر، وآثارها على أداء الموظفين الذين يجري تنقيلهم إلى مدن وجهات بعيدة عن مكان اشتغالهم الأصلي.
وإذا كان الهدف من الحركة هو بعث دينامية في المرفق العمومي، وتلبية الحاجيات المتزايدة في بعض الجهات، ووضع حد لبعض الممارسات المسجلة على أداء البعض، والتي تثير احتجاجات وشكايات المرتفقين، فإنها في حالات أخرى، تكون بعيدة عن كل هذا، وتشتم فيها رائحة الانتقام، لأسباب مختلفة، قد ترتبط بصراعات شخصية مع المسؤولين، أو لأسباب ترتبط بالنشاط النقابي أو السياسي، كما حدث في السنوات الأخيرة، داخل أحد القطاعات الوزارية التي استهدفت أطرا يجمعهم الانتماء إلى إحدى الجماعات.
وإذا كان من حق الفرد الاستفادة من الحركة الانتقالية في إطار القوانين المعمول بها حسب كل قطاع، إما بهدف الالتحاق بالزوج، بالنسبة إلى النساء، أو لظروف تتعلق بأسباب صحية أو عائلية ترتبط بالتحمل العائلي، أو الرغبة في الالتحاق بمدينة حيث تعمل الزوجة، ولا يمكن لها الالتحاق بالزوج، فإن هذا الحق لا يلقى التجاوب دائما من قبل الإدارات المعنية، أمام الأعداد الكبيرة التي ترغب في الانتقال، كما هو الشأن في قطاع التعليم الذي يعرف سنويا هذه الحركة.
وازداد المشكل تعقيدا مع اعتماد التوظيف بالعقدة من قبل الأكاديميات المختلفة، حيث أضحى المشكل مرتبطا بتوظيفات داخل النفوذ الترابي للأكاديمية، ويصعب تدبيره على الصعيد الوطني، كما كان في السابق، وهو ما يعمق معاناة العديد من الأسر التي فرض عليها التشتت، بسبب اختلاف قطاعات العمل ومجاله بين القطاع العام والخاص أو التوظيف بالعقدة أو العمل في الجماعات المحلية.
والحال أن مبررات بعض الإدارات في اعتماد حركة التنقيلات، والقائمة على مبدأ التغيير تثير الكثير من الجدل، بل والاتهامات بالمحسوبية والانتقام، بعيدا عن خطاب الحكامة وبعث دينامية في المرفق العمومي.
وتكفي الإشارة هنا إلى حركة التنقيلات الأخيرة في أوساط مفتشي الشغل، للوقوف عند وجهي العملة، إذ في الوقت الذي تؤكد وزارة الشغل أن الحركية التي قامت بها لقيت تجاوبا كبيرا من قبل المفتشين، فندت مصادر نقابية هذا الادعاء، مؤكدة أن هناك مفتشين ظلوا ينتظرون الحركة منذ أزيد من 12 سنة، دون جدوى، بعيدين عن أسرهم، في الوقت الذي لجأت الإدارة إلى تنقيل البعض لم يكونوا يرغبون في الانتقال، وعدم تلبية طلبات ظل أصحابها لسنوات بعيدين عن أسرهم.
وإذا كانت التنقيلات تستند على مبدأ التغيير بعد قضاء الموظف أربع سنوات في دائرة أو مدينة ما، بالنسبة إلى المسؤولين في الأكاديميات أو المديريات الإقليمية للتربية الوطنية، أو حتى بالنسبة لرجال الإدارة الترابية، فإنها غالبا ما لا تكون شاملة أو محكومة بالشفافية المطلوبة، إذ تثير في العديد من الأحيان احتجاجات وشكايات من قبل البعض، ولا تخلو من اتهامات بالانتقام أو الكيل بمكيالين، وإعمال الزبونية والمحسوبية في بعض الحالات.
ويبقى من حق الإدارة في إطار ما تقتضيه الحكامة الجيدة، إجراء حركة تنقيلات، باعتباره مبدأ معمولا به في جميع المرافق الإدارية، وغالبا ما يتم تدبيره في إطار التشاور والحوار مع ممثلي الموظفين، لتفادي الاحتجاجات، ورغم ذلك، فإن الإدارة لا يمكن أن تلبي جميع الطلبات أو تتجاوب مع جميع الانتظارات، وفي بعض الأحيان تقتضي المصلحة العامة والرغبة في تقريب بعض الخدمات من المواطن في بعض المناطق، إلى التضحية بمصلحة الفرد، ورغبته، ليتم تنقيله إلى منطقة أخرى قد تكلفه بعض المعاناة، خاصة حين يتعلق الأمر بتمدرس الأبناء أو اشتغال الزوجة.
ويظل تدبير مسألة التنقيلات مثيرا للجدل داخل جميع المرافق والقطاعات، خاصة من حيث نتيجتها وتداعياتها على أداء الموظف وظروف اشتغاله، في الوقت الذي يكون قد راكم معرفة بالدائرة التي اشتغل فيها لسنوات، ليجد نفسه في فضاء جديد، يتطلب منه جهدا إضافيا ومعاناة أكبر للـتأقلم، قد تكون لها انعكاسات سلبية على المردودية، بخلاف خطاب الحكامة والنجاعة التي تتحدث عنها الدوريات الوزارية في تبرير حركة التنقيلات.
برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق