مواطنون يشكون الأشغال المتعثرة ويعزون تأخر المشاريع لمصالح تسويقية انتخابية يعيش سكان المعاريف "كابوس الأشغال المتعثرة" منذ أزيد من 7 أشهر، بعد أن أجهزت جرافات شركة البيضاء للتهيئة على جل فضاءاتها، في إطار مشروع بناء وتطوير وإعادة تهيئة ممرات وأرصفة وساحات البيضاء، الذي أغرق هذه المقاطعة في زوبعة من الغبار، وحولها إلى ورشة أشغال عمومية أفقدت أحياءها سمعة «أرقى الأحياء بالعاصمة الاقتصادية». عند إلقاء نظرة على التصميم النهائي للمشروع، يدب الأمل في نفوس سكان حي المعاريف، بعد أن يئسوا من ترقب نهاية الأشغال التي تقض مضجعهم، فرغم المعطيات التوضيحية التي تتضمنها اللافتات المنصبة على جنبات الأوراش، لا يجد المواطنون أي إشارة لتاريخ نهاية الأشغال أو كلفة المشروع الذي يزعم الكثيرون أنه أخذ أكثر من وقته بسبب "الخدمة المعاودة" و"الوتيرة البطيئة لأشغاله"، إذ أكد مواطنون أن عمليات الحفر تتكرر بشكل لا منطقي في الأماكن نفسها، ما يزيد من التأخر ومعاناة سكان المنطقة. "بلوكاج" تشهد منطقة "باساج جيرا" أو ساحة أسامة ابن زيد، بالحي ذاته، ركودا اقتصاديا ملحوظا بفعل الأشغال المتعثرة، التي تسببت في عرقلة النشاط التجاري للعديد من المحلات التجارية الممتدة على طوله، خاصة المطاعم والمقاهي التي اعتاد بعض زبنائها قضاء وقتهم في فضائها الخارجي، لكنهم حرموا من متعة الجلوس في الهواء الطلق بسبب الغبار والفوضى التي أحدثها عمال البناء. روائح شكلت الأشغال القائمة موضوع شكايات عديدة للسكان القاطنين بالمنطقة، بعدما قضت أصوات الجرافات والحفارات مضاجعهم، وحولت عواصف الغبار المتطاير منازلهم إلى مطبات للأوساخ نتيجة عمليات الحفر المستمرة، فيما أشار عدد منهم إلى أن قنوات الصرف الصحي بمراحيضهم باتت تصدر أصواتا غريبة (شبيهة بالتجشؤ)، بفعل تراجع منسوب المياه العادمة فيها خلال بعض الأوقات من اليوم، وتطلق روائح جد نتنة منذ بداية الأشغال، مرجعين أسباب هذه الاختلالات إلى عمليات استبدال بعض القنوات تحت الأرضية، التي لاحظوا ازدياد حدة الروائح الكريهة خلال فترة استخراجها. وعبر محمد، صاحب مقهى تطل واجهته على ممر "جيرا"، عن غضبه إزاء تراجع عدد الزبناء منذ بداية الأشغال، مشيرا إلى أن القائمين على المشروع لا يسهرون على تسريع وتيرتها، ويتحملون مسؤولية تأخر هذا المشروع الذي كلفه خسائر مهمة، مضيفا "يبدو الأمر وكأن أعمال البناء تتم بطريقة عشوائية، إذ نرى العمال أحيانا منشغلين بالتبليط وتركيب قطع الزليج على الأرض، فنتفاءل بقرب نهاية الأشغال ونترقب رحيلهم، لكنهم سرعان ما يبدؤون بالحفر مرة أخرى وينزعون الزليج الذي وضعوه، وكأنهم نسوا أمرا مهما لم يقوموا به، وحينما نسأل أحدهم عن السبب يقولون إن الأمر يتعلق ببعض القنوات ويوهموننا بأنهم قاربوا على الانتهاء من مهمتهم، ناهيك عن أنهم يبدؤون الأشغال في أوقات متأخرة وينهونها باكرا، في غياب مراقبة الجهات المسؤولة". حملات من جهته، حمل مهدي ليمينة، المنسق العام للائتلاف الجمعوي من أجل البيئة، مسؤولية تعثر الأشغال إلى مجلسي المدينة والمقاطعة، اللذين "فتحا مجموعة من الأوراش المعلقة والمعرقلة للسير والجولان بالمنطقة، دون إطلاع المواطنين عى المعلومات الكافية، بما في ذلك الغلاف المالي للمشروع، أو السقف الزمني المحدد له"، وقال "إن هذه المشاريع ليست سوى حملات انتخابية سابقة لأوانها، وبرامج تسويقية للمنتخبين، تخدم مصالحهم بالدرجة الأولى أكثر مما تخدم المواطنين والمدينة". وأرجع مهدي أسباب تأخر الأشغال إلى ترقب بعض الجهات المسؤولة دخول السنة الانتخابية 2020 من أجل تسليم المشاريع، قصد التسويق الانتخابي لبرامجها، والتباهي بتحقيق "0 حفرة" أو "0 مشكل بالحي" مثلا، علما أن الرهان المطروح في الأوساط الانتخابية، هو رهان 2021/2020. تأخر أكد مهدي أن "لعنة تأخر الأشغال" أمر شائع في الحي، ولطالما أصاب مشاريع إعادة التهيئة بمقاطعة المعاريف، مشيرا إلى الأشغال المعلقة بالمركب الثقافي محمد زفزاف، منذ 2014، والتي خصص لها المجلس الجماعي غلافا ماليا يناهز مليارين، على أساس أن تكون جاهزة اليوم، "لكنها لم تشهد لحدود الساعة أي بوادر لأعمال صيانة أو ترميم، بل اكتفى المسؤولون بإحاطتها بسياج ظاهري مخصص لأوراش البناء، دون بذل عناء إصلاح هذه المعلمة الثقافية التي مر على تدشينها حوالي ثلاثة عقود". وأضاف المتحدث ذاته، أن ثمن هذه "اللعنة" يدفعه المواطنون قبل كل شيء، لأنهم أول المتضررين من الأشغال التي جعلت المنطقة تبدو وكأنها بصدد إصلاح مخلفات حرب شهدتها، إذ أصبح السكان يعيشون عذابا نفسيا رهيبا بسبب القلق الناتج عن الضجيج المستمر والاكتظاظ والفوضى، التي يحدثها عمال البناء، ناهيك عن الإزعاج الذي يتسببون فيه خلال فترة القيلولة وبعض أوقات الراحة، ما أثر سلبا على مردوديتهم في الشغل ونمط عيشهم اليومي. احتلال الملك العام تساءل ليمينة عن الأسباب التي تمنع المجالس المكلفة من تسريع وتيرة الأشغال، أو الزيادة في اليد العمالة إذا ما تعلق الأمر بنقص في الموارد البشرية، مفترضا أن خيار تأخير الأشغال عمدا وفتح الأوراش كدليل على القيام بأعمال جديدة بالمدينة وارد جدا، كما استغرب سبب إقصاء أفراد المجتمع المدني من هذه المشاريع المهمة، وعدم إطلاعهم على تفاصيلها، بل الاقتصار على إشراكهم فقط بشؤون المجلس المتعلقة بالمهرجانات والأنشطة ذات البعد الانتخابي. واستطرد الفاعل الجمعوي المهتم بقضايا الشأن العام قائلا "لم نعد اليوم نتكلم عن احتلال الملك العام من قبل الباعة المتجولين أو أصحاب المقاهي، بل أصبحنا نشكو احتلاله من قبل الشركات المنتدبة لإنجاز أشغال التهيئة". يسرى عويفي