افتتاحية

تعاقد جديد

تشكل الثقة عنصرا أساسيا لازدهار الأعمال وتحسن الأوضاع الاجتماعية، وفقدانها يؤدي إلى ركود وتوقف عجلة التنمية، ما يؤثر، بشكل مباشر، على العلاقات بين فئات المجتمع.
وتشير المعطيات التي كشفت عنها مؤسسات عمومية يتسم عملها بالحياد، مثل بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط، إلى أن الأوضاع الاقتصادية الحالية لا تبشر بخير.
فمعدل النمو خلال السنتين الجارية والمقبلة سيظل ضعيفا لا يمكنه أن يمتص حجم البطالة المرتفع، ناهيك عن التسبب في ركود وتيرة منح القروض، ما يعني، مستقبلا، غياب مشاريع قابلة للتمويل البنكي، وترددا بين رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، بسبب عدم وضوح الرؤية.
وتخضع قطاعات اقتصادية واسعة لحركتي المد والجزر، والجمود وغياب الثقة لن يؤديا إلا لتقهقر القدرة على توفير مناصب الشغل الكفيلة بتقليص عدد العاطلين، خاصة أن توقعات المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن معدل البطالة سيرتفع، خلال السنة الجارية، من 9.8 % إلى 10 %، ما يعني ذلك من احتقان اجتماعي مرتقب.
فقدان الثقة في المستقبل انتقل، أيضا، إلى الأسر، إذ تراجع مؤشر ثقتها، خلال سنة، بأزيد من 12 نقطة مائوية، وانتقل من 87.3 % في الفصل الثاني من السنة الماضية إلى 74.9 % خلال الفترة ذاتها من السنة الجارية.
وضع مقلق يسائل الحكومة ويستدعي تشخيصا دقيقا لمعرفة الأسباب وتحديد الوصفة المناسبة. والمتتبع للأحداث سيجد أن هناك نقط تشابه عديدة بين الوضعية الحالية وتلك التي عاشها المغرب خلال 1997 بعد حملة “التطهير” ضد التهريب التي قادها الرجل القوي، آنذاك، وزير الداخلية إدريس البصري وانتهت باعتقال أزيد من 1200 من التجار ورجال الأعمال، ما أثار الخوف في صفوف الفاعلين الاقتصاديين وأدى إلى حالة من الركود الاقتصادي، وتقرر، إثرها، عفو ملكي شامل لفائدة المعتقلين، تلاه، خلال فترة حكومة التناوب التوافقي، عفو جبائي وإصلاحات سعت إلى إعادة الثقة للقطاع الخاص، ما أدى في نهاية الأمر إلى انتعاش في الاستثمارات وتحسن في وتيرة النمو خلال عشر سنوات الموالية.
الوضع الاقتصادي الراهن ينتظر تدخلا حاسما، خاصة بعد توالي قرارات غير محسوبة منذ تولي العدالة والتنمية رئاسة الحكومة، إذ بدأ الأمر بخطابات شعبوية لدغدغة العواطف واتهامات بالفساد وجهت إلى كل من خالف توجهات الحكومة والحزب الذي يقودها، وانتهت بحملة لـ”التطهير” الجبائي والجمركي، أدت إلى حالة الركود التي نعيشها وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
المطلوب، حاليا، إقرار عفو شامل من أجل تعاقد جديد مبني على حسن النية لإعادة الثقة للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، يكون منطلقا لنموذج تنموي قادر على وضع الاقتصاد في سكته الصحيحة.
غير ذلك، سنكون “فاص” مع الحائط.
لا قدر الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق