افتتاحية

ضد الوطن

الحكومة التي تفشل في حل ملف اجتماعي وإداري وبيداغوجي صغير، ينبغي أن تقدم استقالتها وتنسحب بهدوء من المشهد العام.
والطلبة والأساتذة الذين لا يقدرون العواقب ويفاوضون بمنطق “الكل أو لا شيء”، يجب أن يخجلوا من أنفسهم، لأن وراءهم أسرا وآباء ومستقبلا ومرضى في طوابير الانتظار.
أما “الآخرون” الذين يستغلون الفرص والأحداث للركوب عليها، من أجل التأزيم ولي الأذرع وتصفية الحسابات السياسية المؤجلة، فينبغي أن يتذكروا، هم كذلك، أن التاريخ يسجل ولا يرحم.
ففي الأحداث الأخيرة بكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، التي أخذت أبعادا غير متوقعة، ليس هناك رابح أو خاسر، بل الجميع خاسر بالأهداف والنقاط وفارق النسبة، مادامت الحكومة والطلبة والأساتذة والأطراف السياسية الأخرى تلعب ضد الوطن ومصلحة المواطنين وحقهم الدستوري في الصحة.
فمنذ البداية، خرج ملف الطلبة الأطباء مائلا من الخيمة، وكان لا بد أن يسقط في منتصف الطريق:
أولا، بسبب التضخيم المبالغ فيه للنقاط الواردة في الملف المطلبي، التي وصلت إلى 16 نقطة، ألح المحتجون على تلبيتها كاملة غير منقوصة، ووضعوا ذلك شرطا أساسيا للعودة إلى المدرجات وقاعات التدريب واجتياز الامتحانات.
وبعد أن توصلت المفاوضات العسيرة إلى إيجاد حلول لـ 14 نقطة (أي بنسبة فاقت 97 في المائة)، وقف حمار الشيخ عند نقطة أخيرة بصبغة سياسية، تتعلق بمعارضة ما أسماه الطلبة خصوصية القطاع الجامعي العمومي ورفض مقترح مشاركة أطباء الكليات الخاصة في تداريب الداخلي والإقامة.
ثانيا، بسبب التراخي الحكومي البنيوي في التصدي إلى الملفات الاجتماعية والمطلبية في حينها وبالنجاعة والسرعة المطلوبتين، قبل أن تكبر وتتحول إلى قضايا “رأي عام”، وهو ما وقع بالضبط في ملف أساتذة التعاقد، الذي كاد يتسبب في كارثة بقطاع التعليم، ثم ملف المكفوفين، أو ملفات أخرى، مثل الممرضين وأساتذة الزنزانة 9، الذي رأى النور بصعوبة.
وثالثا، بسبب أمراض الاستغلال السياسي المقيت للحركات الاحتجاجية التي تحولت إلى “موضة” مغربية بامتياز، حين تم اختراق الطلبة الأطباء، سواء من قبل أساتذة أو هيآت سياسية، وتم تحويلهم إلى دروع ضد الحكومة لإحراجها في قضية سياسية معقدة، تتعلق بمجانية التعليم ومشاريع الانفتاح على الرأسمال الخاص، وهو موضوع مكانه البرلمان وفضاءات النقاش العمومي، وليس الجامعة، وبالضبط بكليات الطب والصيدلية، بكل ما تحمله من خصوصية، لارتباطها بأجندة دقيقة للتكوين الدائم والمستمر في المجال الطبي لسد الخصاص المهول بقطاع الصحة.
إنها الأطراف الثلاثة التي تتحمل، اليوم، مسؤولية ما آل إليه ملف بدأ بمطالب اجتماعية وبيداغوجية عادية، وتحول إلى قنبلة موقوتة لا أحد يتوقع أين ومتى ستنفجر، لتنضاف إلى سلسلة “قنابل” كان من اللائق تفاديها، لو استحضر الجميع مصلحة الوطن أولا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق