خاص

متصوفة استهوتهم “السلطة الرابعة” : شيخ الطريقة المعينية “صحافيا” في “السعادة”

في غمرة تنافس القوى الاستعمارية حول المغرب، بادرت المفوضية الفرنسية إلى إصدار جريدة أسبوعية باللسان العربي في أكتوبر 1904، اختارت لها عن قصد اسم “السعادة” لتكون بمثابة بوق للدعاية والمنافحة عن أطروحات الدبلوماسية الفرنسية بخصوص “المسألة المغربية”.   وأضفت المفوضية الفرنسية على جريدة “السعادة” مسحة إسلامية “باستجلاب محرر لها من الجزائر في شخص إدريس الخبزاوي ليمرر الخطاب الفرنسي على أعمدة السعادة بأسلوب لا يتنافى والمشاعر الدينية لعموم القراء المغاربة”.  ومنذ سنة 1906 اتخذت السعادة توجها آخر عندما أسندت مهمة رئاسة تحريرها للشامي الماروني وديع كرم الذي دشن خط تحريريا للسعادة أساسه تبيان أحقية ومشروعية مطامح فرنسا بالمغرب ، والدعوة إلى فتح أبواب هذا البلد لمباشرة الإصلاحات التي نصت عليها قرارات مؤتمر الجزيرة الخضراء والدفاع عن شرعية المخزن العزيزي ضد “العصاة وزعماء الفتنة” وعدم الاعتراف بشرعية بيعة السلطان المولى عبد الحفيظ وتوجيه سهام النقد اللاذع لدعاة الجهاد ضد الأطماع الفرنسية بالمغرب.  بعد فرض معاهدة الحماية على المغرب في 30 مارس1912 ،وتعيين الجنرال ليوطي أول مقيم عام، اتخذ هذا الأخير من الرباط العاصمة الإدارية الجديدة للمملكة. وفي سياق هيكلة الشؤون والمصالح الإدارية استجلب ليوطي جريدة السعادة من طنجة إلى الرباط في أكتوبر1913 موفرا لها كافة أشكال الدعم المالي والموارد البشرية المؤهلة، لتتحول إلى أداة إعلامية رسمية، وللغاية ذاتها أنيطت مهمة الإشراف على إدارتها للمستعرب الفرنسي “أوجين ماركو” الذي تكلف بتوجيه الجريدة نحو خط تحريري يتوخى “التحري في الأقوال والصدق في المقال وسلوك سياسة الاعتدال”، والمرونة في تناول القضايا الحساسة على أعمدة السعادة وتجنب الملاسنات والمساجلات التي باشرها وديع كرم إزاء منتقدي توجه السعادة ومعارضي الوجود الاستعماري الفرنسي على أرض المغرب.
ولم تكتف جريدة السعادة بمهمة الدعاية للسياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب فحسب، بل أضافت إلى ذلك دورا استخباراتيا حيت كانت ” تشارك الجيوش العاملة في حملاتها العسكرية وتمهد لها الطرق والعقبات أينما سارت وتوجهت. إذ تتقدمها دائما في سائر حركاتها فتشق الفيافي والقفار وتقتحم الأنجاد والأغوار إلى أن تتوغل في الداخل  فتقف أمام زعماء الفتنة ،وتنذرهم بكل شهامة وصرامة محذرة إياهم من وخيم العقبى وممثلة لهم مبلغ قوة المخزن والحكومة تمثيلا يقتد في ساعدهم ويخمد نار حماسهم .فلا تصل الجيوش إليهم إلا وتمكن الرعب من نفوسهم وخارت عزائمهم، فيسهل أخذهم والقضاء عليهم بما قدمته السعادة من تهديد وتمهيد وهي خدمة لايستهان بها.
ورغم الطابع الرسمي الذي ميز خطها التحريري، لا يمكن للباحث أن يقلل من القيمة العلمية لجريدة السعادة كمصدر لا غنى عنه في التأريخ لفترة الحماية، لما كانت تكتنزه أعدادها من رصيد غزير ومتنوع تتقاطع فيه المعلومات العسكرية بالسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وسلطت الضوء على نبض الحياة اليومية للمواطنين المغاربة و استقطبت السعادة إليها ثلة من المثقفين المغاربة أمثال عبد الحفيظ الفاسي ومحمد بوجندار ومحمد الغربي ومحمد الحجوي وغيرهم للمساهمة في تحرير أعمدتها، إذ كانت مواقف البعض منهم معارضة للوجود الفرنسي بالمغرب.
خلافا لما هو مألوف في كتب التراجم والمصادر والدراسات من النبرات  الإطرائية وعبارات الثناء والصيغ الاحتفالية المشيدة بصلاح شيخ الطريقة المعينية وخصاله البطولية، نصادف في جريدة»السعادة» مواد صحافية عن الشيخ ماء العينين وردت بصورة مناقضة لذلك، حيث شنت جريدة المفوضية الفرنسية بطنجة حملة إعلامية شرسة وصلت حدتها إلى درجة التشكيك في ورع وصلاح وعقيدة ووطنية الشيخ ماء العينين.
ففي هذا الصدد كتبت السعادة مستهجنة نهج الشيخ « لهذا الرجل كل يوم حكاية، تضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبهــا الحكيم، وللشيخ «في سياسة المغرب خطة مبتكرة ، وآداب مستنكرة، فذنوبه مغفورة، وعيوبه مستورة، وقوله فعل الخطاب ورضاه التواب، ونقمته العذاب، وتهديده عقاب، وسكوته جواب، فهو يلعب بالألباب لعب الصبية بالأكره  ضاربا زيدا بعمر غير مبال بما كتم ولا بما ظهر كأنه ينظم سياسة القصايد…مؤخرا المبتدأ عن الخبر أو حاذفا المبتدأ ومكشف عـن خبـره بما أنكـر،  وأضافت السعادة: «ومن المشهور أن الشيخ ماء العينين يتبع الطريقة القادرية ويبالغ في التعبد والتقشف، وقد زعم أخيرا أنه وصل إلى مرتبة الأولياء وتلقب بالقطب الرباني ، فبذلك يستطيع أن يعلم أتباعه أية طريقة اقترحتها عليه إرادته ولم يكن في هذه الناحية رجل يضاهيه نفوذا . ويقولون أن تلامذته على مذهب الشيعة وهي الطريقة المتبعة في بلاد فارس». وزادت السعادة من نقمتها على الشيخ ماء العينين مستغربة من الطريقة التي « تقاد بها العمال إلى طاعة الشيخ صاغرة كالنعاج لدى الراعي والأمناء تتسابق للتبريك …حاملة الهدايا والدراهم ، والشيخ يهزأ بالمخزن ويضحك عليه ، وتأله وتمجد كلما تعبدته الناس وكرست له التوبـــة وسألتـه الغفــران».    
 وعلى إيقاع النبرة المغرضة والتشهيرية نشرت السعادة على أعمدتها أخبارا تفيد في أن الشيخ ماء العينين «يعيث فسادا وينهب ويسلب كل ما وصلت إليه يده، ويحصد زرع الناس ويذبح بقر عباد الله حتى اضطرب الأمن بينما الناس آمنة في محلها ميالة إلى السلم جانحة إلى الهدنة»، وقد «أضاع أموال المسلمين وساق سكان الصحراء إلى الهلاك المبين … بل قام يكلف أولاده بالاقتفاء على أثره وشروره ، فإن كان قد عجز وتقادم عهده وصار أقرب إلى الأبدية من الحياة ، فقد خلف وراءه من الأولاد كل داهية يصح أن يدل عنه أن هذا الصل من تلك الحية»(، العدد 287، 08 يونيو 1909 ). ولم تفوت السعادة فرصة إلا ووجهت سهام النقد العنيف لشيخ الطريقة المعينية واصفة إياه بخصال الكذب والخداع والدهاء والرياء كقولها :» فحري بالشيخ أن يقلع عن السفاسط … ويتقي الله في خداع البسطاء لكن ما ذنب الشيخ إذا لاقى من الناس إقبالا عليه … أليس الشيخ بالمتمالك على العقول والأخذ من الموجود والمنقول ، أليس الشيخ بالرجل المتنعم من فضلات المخزن وهداياه ولا معروف للشيخ على المخزن ولاجميل ، بل يمكن بواسطة الدهاء والرياء من الاستيلاء على الألباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق