بانوراما

إخصاء وتبادل جاريات

تاريخ العبيد في المغرب 4

يلف الظلام والغموض تاريخ العبودية، أو تاريخ العبيد في المغرب الحديث، رغم الدراسات القيمة التي أنجزت على مدار عشر سنوات الماضية، وحللت الظاهرة من زوايا مختلفة، أهمها الزاوية الاجتماعية التي انكبت على دراسة فئات المجتمع ونشاطها وأدوارها وحركيتها وعلاقتها بمكونات المجتمع داخل إطار تاريخي محدد، والعبيد دخل في علاقة مع السلطة السياسية والمخزنية بحكم انتشاره في مؤسساتها الإدارية والعسكرية.تتطرق هذه الحلقات، لظاهرة العبيد في قصبات قواد القبائل بالجنوب المغربي ودور هذه الفئة في الأنشطة الاقتصادية بالمدن والقبائل، كما تناولها الباحث محمد أبيهي في دراسته “العبيد في التاريخ المعاصر”، وتعود إلى فترة السلطان مولاي إسماعيل الذي كان يشتري العبيد من السودان لإدماجهم في جيش عبيد البخاري، من خلال البحث الذي أنجزه الدكتور خالد الصقلي بكلية الآداب بفاس.
إعداد: يوسف الساكت

يتجلى حضور العبيد من خلال الروابط والعلاقات التي نسجت بيـنهم وبين سائر أفـراد أسرة القائد، إذ يصعب ترصد خطوات العبيد في حياتهم اليومية، ما جردهم، عمليا، من هويتهم الإنسانية، وفرض عليهم تراتبية.
وأثار الباحث محمد أبيهي، في الدراسة نفسها المشار إليها في التقديم، معالم بارزة في حياة العبيد وعلاقتهم بالقواد من خلال الأسماء والتصنيفات المورفولوجية، التي تقاس بها جودة العبيد مـن خلال استقصاء الرواية الشفوية، إذ عكست وظائف فئة العبيد مظهرا من مظاهر التراتبية بدار القائد، فهم يعملون في الأعمال الشاقة، ومكلفون بحفر الآبار وأعمال البناء، ما تعكسه دار القائد من ضخامة البناء، مثلا.
ويكلفون بشؤون النظافة والمطبخ وإعداد الطعام ومزاولة مهنة الحدادة، كما كلفوا غالبا بمهام خارج الدار، مثل إرسالهم إلى الزوايا لحاجتها لليد العاملة. فقد جاء في رسالة من القائد محمد أنفلوس موجهة إلى الشيخ محمد بن سعيد أوتلضي ما يلي: ” سلام تام على سيادتك ورحمة الله وبركاته عن خير سيدنا المؤيد بالله وبعد.. فلا زائد والحمد على صميم مودتك ومحبتك إلا الخير، ثم إننا بحول الله وجهنا لحضرتك السعيدة آمة وبنتها وأمها حررناها لوجه الله ورسمها بيدها، ووجهت مع بنتها بقصد معاونتها لديكم في أمور الزاوية أعاننا الله وإياكم على ما فيه صلاح الأعمال…”.
وغالبا ما يتعرض ذكور العبيد لعملية الإخصاء، أي تجريدهم من فحولتهم،من أجل التأثير في مسار حياة العبـد وسلوكاته الجنسـية. وترى أغلب الروايات الشفوية أن عملية الإخصاء عنـد دار القيادات نادرة إلا في حالات خاصة، في حين يشتغل العبيد في ظروف قاسية في استغلاليات القائد وفي أنشطة فلاحية متعددة كجنـي الثمار والحصاد في إطـار نمط إنتاج قائدي، وكانت لهم أحياء تسـمى دور العبيـد للتمييـز بينهم وبين السكان.
وظلت هذه الفئة فاعلا حقيقيا في المجتمع المغربي، قبل أن ينتهي زمن العبودية والاسترقاق، بعد خضوع المغرب لنظام الحماية الفرنسية، الذي منع تجارة العبيد منذ العشرينات من القرن الماضي.
وقبل ذلك، تعرض المغرب لانتقادات المنظمات الأوربية والقنصليات الممثلة بطنجة، التي كانت تعاين عمليات بيع وشراء العبيد بأسواق النخاسة، وعملت على إرسال تقارير إلى بلدانها للضغط على المخزن لإنهاء هذه التجارة.
ارتبط التاريخ الاجتماعي لفئة العبيد بالعديد من الظواهر الاجتماعية والثقافية، مازالت إلى يومنا متجذرة في العمق المغربي، علما أن بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال كان حاسما في اندماجها الاجتماعي، رغم وجود بعض الممارسات التي تنتهك قيمتها وتنتقص من كرامة بعض أفرادها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق