fbpx
حوادثمقالات الرأي

الحق في التقاضي الأسري العادل

المادة 81 من مدونة الأسرة تنطوي على إجحاف في حق الزوج (3/2)

بقلم: الدكتور جواد الهروس *

لابأس من الإشارة إلى أن مبدأ حياد القاضي لا يعني أنه لا يتدخل إطلاقا في سير الدعوى، بل إن السلطات التي قد يتوفر عليها لتسيير الخصومة قد تؤثر على هذا الحياد، وخصوصا إذا كانت نصوص المسطرة تعطيه دورا إيجابيا في تسيير وتوجيه المسطرة، ولكن دون أن يعني ذلك الانحياز إلى أحد الأطراف. وكمثال على ذلك الحق الذي أعطاه الفصل الأول من ق م م للقاضي في أن يثير انعدام الصفة أو المصلحة أو الأهلية، وإنذار الطرف المخل بهذه الشروط بضرورة تصحيح المسطرة خلال أجل معين.
بعد هذا التقديم الموجز، سوف أتطرق للمحور الثاني الذي خصصته لملاحظات ومقترحات حول بعض مواد مدونة الأسرة التي تم فيها خرق مبدأي المساواة والحياد، بالإضافة إلى الإشكالات العملية المتعلقة بخرق مبادئ التقاضي العادل في بعض المساطر الإجرائية:
المحور الثاني: ملاحظات ومقترحات بخصوص بعض مواد مدونة الأسرة
إن المطلع الباحث في مقتضيات مدونة الأسرة ليلمس أن بعض موادها خرقت بعض المبادئ الدستورية ومنها المبدآن السالفا الذكر (المساواة أمام القضاء والحياد)، كما يلمس أن بعض موادها تلزم القاضي بتعديل موضوع الطلب وقد تجعله يتعداه ليبت في غير ما طلب منه.
أولا: في ما يخص خرق مبدأ المساواة:
نورد الأمثلة الآتية:
1ـ خرق مبدأ المساواة في بعض المواد الخاصة بالتبليغ :
لا تخفى على الممارسين والباحثين في القوانين المسطرية أهمية التبليغ باعتباره الإجراء المقرر قانونا لإحاطة المبلغ إليه علما بالإجراء المتخذ ضده، وفق الوسيلة المحددة قانونا إعمالا لمبدأ المواجهة بين الخصوم. وإذا كان الفصل 38 من قانون المسطرة المدنية قد حدد الجهات التي يقع التبليغ لها صحيحا في: التبليغ الشخصي أو التبليـغ بالموطن، فإن مدونة الأسرة خالفت هذا المقتضى المسطري موجبة توصل الزوجة الشخصي في حالتي استدعاء الزوجة الأولى في مسطرة التعدد (طبقا للمادة 43) واستدعائها في مسطرة الطلاق طبقا للمادة 81.
هاتان المادتان اللتان تضمنتا إجراءات مسطرية تضمن الحق لطرف واحد في الدعوى هو الزوجة دون الزوج الذي تطبق عليه قواعد التبليغ المقررة في قانون المسطرة المدنية (الفصل 38 التبليغ الشخصي أو التبليـغ بالموطن) التي قد تعصف بحقوقه لأنها تضعه في مركز قانوني أدنى مما منحته مدونة الأسرة للزوجة، ثم إن هذه المسطرة قد تتسبب في سجن الزوج، وهو ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 43 من مدونة الأسرة التي جاء فيها: (إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا عن تقديم الزوج بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة، تطبق على الزوج العقوبة المنصوص عليها في الفصل 361 من القانون الجنائي بطلب من الزوجة المتضررة ).
كما أن المادة 81 من مدونة الأسرة بما تنطوي عليه من إجحاف في حق الزوج، اشترطت التوصل الشخصي للزوجة بالاستدعاء، وفي حال توصلها الشخصي وعدم حضورها وعدم تقديمها لملاحظات كتابية تشعرها المحكمة عن طريق النيابة العامة بأنها إذا لم تحضر فسيتم البت في ملف القضية.
وكان على المشرع المغربي أن يواجه الزوجة التي ترفض التوصل بالاستدعاء أو التي تتوصل به ولا تحضر إلى الجلسة بحزم، وبالبت في الطلب. ولنتصور الحالة التي يتوصل فيها الزوج بواسطة أحد أقربائه ولا يحضر لجلسة الصلح لانتفاء علمه بها فيُرفض طلبه، وبالمقابل تتوصل الزوجة بالاستدعاء شخصيا وتمتنع عن الحضور وعن الإدلاء للمحكمة بدفوعاتها بواسطة مذكرة كتابية، ومع ذلك لا يُكثرت لتصرفها، بل ويتم إشعارها عن طريق النيابة العامة بأنها إن لم تحضر فسيتم البت في الملف. ففي هذه الحالة كان على المشرع أن يقرر إعادة استدعاء الزوج إحقاقا للحق ومساواة مع الزوجة التي تساهل معها وبتمييز جليِّ في إجراءات التبليغ الشخصي دون الزوج الذي تتميز الإجراءات المسلوكة من طرفه بنوع من الحيف، والواقع العملي يحكي حالات لا حصر لها استعصى فيها على الأزواج اقتضاء حقوقهم لهذا السبب.
2 ـ كما تم خرق مبدأ المساواة في مساطر التطليق للإخلال بشرط من شروط العقد والتطليق للضرر وللغيبة و للإيلاء والهجر.
فقد تطرقت المادتان 98 و99 من مدونة الأسرة لحالتي الإخلال بشرط في عقد الزواج والضرر ومن خلالهما يتضح: أن المشرع أعطى إمكانية رفع دعوى التطليق للإخلال بشرط من شروط عقد الزواج وكذا دعوى التطليق للضرر للزوجة دون الزوج، وفي ذلك خرق لمبدأ المساواة السالف الذكر، وكأن الإخلال والضرر لا يمكن تصورهما من الزوجة تجاه زوجها، وإلا فما الجدوى من التنصيص في المادة 48 من مدونة الأسرة على مقتضى الشروط الإرادية لعقد الزواج الملزمة لطرفي العلاقة الزوجية معا والتي جاء فيها: (الشروط التي تحقق فائدة مشروعة لمشترطها تكون صحيحة وملزمة لمن التزم بها من الزوجين ).
كما أن مقتضيات المادة 98 من المدونة نفسها الخاصة بالتطليق للإخلال بشرط في عقد الزواج، تجعلنا أمام التباس وغموض واضحين، خاصة وأن المادة 52 تنص على ما يلي:
عند إصرار أحد الزوجين على الإخلال بالواجبات المشار إليها في المادة السابقة، يمكن للطرف الآخر المطالبة بتنفيذ ما هو ملزم به، أو اللجوء إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد من 94 إلى 97.
فهل سيتم تقديم دعوى التطليق للإخلال بشرط في عقد الزواج أو دعوى التطليق للشقاق حسب تعبير المادة 52 أعلاه.
الخرق نفسه ينطبق على حالات التطليق للغيبة أو لسجن أو حبس الزوج، التي تشكل مظهرا جليا من مظاهر غياب المساواة في مدونة الأسرة بين طرفي الدعوى:
فقد خولت مدونة الأسرة للزوجة التي غاب عنها زوجها مدة تزيد عن سنة إمكانية طلب التطليق للغيبة، وللتي حكم على زوجها بأكثر من ثلاث سنوات سجنا أو حبسا الحق في طلب التطليق بعد مرور سنة من اعتقاله، وفي جميع الأحوال يمكنها طلب التطليق بعد سنتين من اعتقاله.
ولا يخفى الحيف الذي يطول الأزواج وعدم الإنصاف بينهم وبين الزوجات في هذه المقتضيات، فإمكانية التطليق بسبب السجن أو الحبس مخولة للزوجة دون الزوج، وكأن الإجرام صنعة ذكورية خالصة غير متصورة بالنسبة للمرأة. وهو ما يستوجب على المشرع في إطار إصلاح مدونة الأسرة التسوية بين طرفي العلاقة الزوجية في هذه الحالات من حالات التطليق إحقاقا للحق وتجسيدا لمبدأ المساواة بين الزوجين، الذي يعتبر المقصد الأسمى الذي ترومه مدونة الأسرة، والسماح لكلا الزوجين من دون تمييز لأحدهما على الآخر بسلك مساطر التطليق السالفة الذكر الخاصة بالإخلال بشرط من شروط العقد وبخصوص الضرر (المواد من 199 إلى 101)، والغيبة (المادة 104) والإيلاء والهجر (المادة 112).
* باحث في الفقه الإسلامي والقانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى