fbpx
مجتمع

رمضـان ينعـش بورصـة التمـور

إقبال على اقتناء المنتوجات التونسية والجزائرية والجودة تتحكم في الأسعار بسوق ״درب ميلان״

لم يعد رواج التمور مرتبطا بمناسبة معينة أو فترة محددة من السنة، نتيجة تنوع استخدامات هذا المنتوج التقليدي المهم، الذي أصبح جزءا من الصناعات الغذائية، وتسلل إلى مجالات استخدام جديدة، ما حفز الطلب عليه إلى مستويات قياسية، وشجع على تطوير الإنتاج المحلي ورفع حجم الواردات، والاستثمار في جودتها. ويعتبر سوق “درب ميلان” الشهير في البيضاء بورصة وطنية للتمور، إذ يغطي حاجيات مختلف مناطق المملكة، ويراهن على تطوير العرض وتنظيم المهنيين في إطار تجاري من الجيل الجديد، يتيح توفير منتوجات بجودة عالية وأسعار مناسبة.

تشير الساعة إلى العاشرة صباحا، وصياح الباعة يقارع هدير محركات الشاحنات الصغيرة، التي تتوافد على سوق “درب ميلان” الشهير للتمور والتوابل. الكل منهمك في تنسيق بضاعته داخل المحلات والمستودعات التي زاحمت المساكن في هذه المنطقة الشعبية المعروفة في البيضاء. “اللي عندو راس المال غادي يربح”، بهذه العبارة لخص محمد، تاجر من السوق، إستراتيجيته التجارية التي اعتمدها لمناسبة رمضان، الذي يمثل ذروة الاستهلاك، إذ ربط اتصالاته بمزودين من تونس والجزائر من أجل استيراد كميات مهمة من التمور، واكترى قبل ذلك، “هنكارات” في بوسكورة من أجل تخزينها، مشددا على أنه لجأ إلى تجار آخرين للمساهمة معه في تحمل تمويل عملياته التجارية، في أفق تحقيق أرباح مهمة، واقتطاع حصة من السوق التي تحتد فيها المنافسة خلال هذه المناسبة الدينية.

وتنشط الحركة في الشارع الرئيسي وسط السوق جيوش الحمالين، التي تنقل صناديق التمور من مستودع ومحل إلى آخر، فيما تزايد حضور الزبناء من البيضاويين وغيرهم، القادمين من مناطق مختلفة من المملكة، بحثا عن “هميزات” مغرية، تتضمن منتوجات بجودة عالية وسعر منخفض. وعاينت “الصباح” إقبالا على أحد أنواع التمور التونسية المعروف بـ”الدكلة”، الذي تراوح سعر بيعه بين 25 درهما للكيلوغرام و30، فيما وصل سعر “العرجون” إلى 40 درهما، وهو التوجه الذي برره حسن، أستاذ تعليم ابتدائي، قرر زيارة السوق لاقتناء كميات كبيرة من التمور قصد استهلاكها على مائدة الإفطار في رمضان، بجودة المنتوجات المستوردة من تونس، خصوصا النوع الأول، الذي يمتاز بحجمه الكبير وارتفاع نسبة حلاوته، إضافة إلى أهم عنصر جذب، يتمثل في سعره لمنخفض.

سوق مفتوح

“لا أحد يستطيع احتكار السوق”، يؤكد الشريف حميد، رئيس الجمعية المغربية لمسوقي التمور، بنبرة واثقة، معتبرا أن المجال مفتوح لجميع التجار من أجل تطوير قدراتهم في الاستيراد والتسويق والتخزين، موضحا في تصريح لـ”الصباح”، أن رواج 170 ألف طن سنويا في السوق، مصدرها الاستيراد، والإنتاج المحلي، الذي ينفذ  خلال الفترة بين أكتوبر ونونبر، فيما يبلغ الاستهلاك ذروته خلال رمضان، مؤكدا أن العرض والطلب يتحكمان في بنية الأسعار، إلى جانب قدرات التخزين والتبريد.

ويتحدث الشريف عن تهديد نشاط المستوردين والتجار المغاربة، من قبل شركات حديثة التأسيس استغلت تركز عمليات الاستيراد السنوية للتمور حول تونس، مصدر 30 ألف طن من التمور سنويا، من أصل إجمالي واردات مغربية وصل إلى 80 ألف طن، مشددا على أن المهنيين وجدوا صعوبة في مواجهة كميات التمور المستوردة من قبل سماسرة تونسيين عبر شركات صورية، والتعامل مع الأسعار والجودة التي أثرت على سمعة وارداتهم.

“هميزات” السوق

ويشهد فضاء “درب ميلان” حركة تجارية مكثفة خلال رمضان، إذ يعرض التجار أنواعا مختلفة من التمور، التي يزداد الإقبال عليها بشكل كبير خلال الشهر الفضيل. يتعلق الأمر برحلة شاقة يخوضها البيضاويون لاقتناص “هميزات” السوق، بالاستفادة من المنافسة وتنوع أنواع المعروضات، خصوصا المستوردة من تونس والجزائر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى الأنواع المحلية، مثل “الجيهل” و”بوفقوس” و”بورار”، وكذا “الساير” و”بوستحمي”، فيما تختلف ألوانها المميزة بين الأصفر والعسلي والأسود. وتختلف قدرة المستهلكين على التمييز بين الجيد والأقل جودة من التمور، فضلا عن المعرفة القبلية ببعض أنواعها التي تتماشى مع أذواق سكان بعض المناطق، ما دامت المنتوجات المعروضة  بفضاء “درب ميلان” توجه إلى المستهلكين المحليين، ولعدة مدن وقرى خارج مدار البيضاء، ولذلك يحج بعض تجار التقسيط إلى هذا الفضاء التجاري من أجل الحصول على تمور، بغرض نقلها إلى مناطق أخرى، وإعادة تسويقها هناك. ومن جهته، لم يخف محسن، تاجر تمور، فرحته بتطور حجم رواج السوق، بالتزامن مع نهاية الشهر، وحصول الموظفين والأجراء على أجورهم قبل حلول رمضان، ما يمثل فرصة سانحة للتسوق واقتناء كميات كبيرة،تتجاوز الحاجيات إلى الهدايا، موضحا أن أسعار التمور المعروضة في هذا السوق تتراوح بين 12 درهما للكيلوغرام و130 درهما، وهو السعر الذي يرتبط بنوع “المجهول” المفضل لدى عموم المستهلكين باختلاف أذواقهم. أما التمور المستوردة فيبدأ سعرها من 35 درهما للكيلوغرام، ما يوفر عرضا متنوعا يتيح خيارات كثيرة، من حيث الأسعار والأنواع المعروضة.

تطوير حلقة التسويق

تراهن وزارة الفلاحة على رفع مستوى الإنتاج المحلي من التمور وتطوير جودته، بتنفيذ إجراءات وتدابير مخطط المغرب الأخضر، تفيد انتقال معدل الإنتاج السنوي من 49 ألف طن خلال الفترة بين 2000 و2007، إلى 95 ألف طن بين 2008 و2015، مع توقعات بتحقيق النخيل المغروس إنتاجا، يصل حجمه إلى مليون و600 ألف طن في 2020، موازاة مع تطبيق مخطط تجاري يستهدف تحفيز الحاجة في السوق إلى منتوجات التمور، والطلب الداخلي على هذا المنتوج متعدد الاستخدامات.

وحسب خبراء في مجال التغذية، فإن التمور تعتبر من المواد الغذائية المهمة،  إذ تساهم في تنظيم عملية الهضم، ومكافحة الإسهال والاضطرابات المعوية، إضافة إلى علاج فقر الدم، والوقاية من مشاكل القلب، ومن بعض سرطانات الجهاز الهضمي. وتعد التمور مصدرا غنيا بالفيتامينات والمعادن والألياف الغذائية، إلى جانب  احتوائها على “الكالسيوم” و”الحديد”، وكذا “البوتاسيوم” و”الفوسفور”، ناهيك عن “المنغنيز” و”الكبريت” والنحاس.

بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى