منبر

التأمين في الإسلام … “المكتوب ما منو هروب”

المغرب يلائم منظومة التأمينات مع الشريعة والمؤمنون يكتفون بالتأمين الميتافيزيقي

قبل سنوات قليلة لم يكن المغاربة مخيرين في منظومة التأمينات، إذ كانت تقتصر على الشكل التقليدي، الذي لا يتقيد بالشروط والمبادئ الإسلامية، غير أنه بدخول البنوك الإسلامية السوق المغربية، سارع البرلمان والمجلس العلمي الأعلى والهيآت الممثلة للفاعلين في قطاع التأمين، إلى تعديل مدونة التأمينات، لتلائم الشريعة الإسلامية، وتمكين البنوك التشاركية من ممارسة نشاطها بشكل لا يتعارض مع المبدأ الإسلامي الذي بنيت عليه.

وبرز نظام التأمين الإسلامي إلى الوجود بعد التجربة الناجحة للبنوك التشاركية، التي ساهمت في ترسيخ هذا النظام الجديد في أسواق الاقتصاد. وبما أن التأمينات الإسلامية حديثة العهد، فإن الفقهاء سارعوا لإخراج نظام للتأمينات يتماشى مع مقاصد الشريعة، ويؤكد هؤلاء على أن فكرة التأمين أو بحث الإنسان عن الأمان مسألة طبيعية، وأن الإسلام يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين للمؤمن، وهي الكفاية والأمن، ويستدلون على ذلك بمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث.

وصادق مجلس النواب بالمغرب في فبراير الماضي، في جلسة عمومية على مشروع قانون يلائم من خلاله مدونة التأمينات مع الشريعة الإسلامية، وهو تعديل طالما انتظرته البنوك التشاركية منذ أن بدأت نشاطها بالمغرب قبل سنتين، ويتعلق الأمر بالقانون رقم 18ـ87، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 99ـ17 المتعلق بمدونة التأمينات، والذي ينص على ملاءمة التشريع الحالي مع مبادئ وأسس التأمين التكافلي المنبثق من أحكام الشريعة ومقاصدها. وأعد هذا القانون بعد مشاورات بين وزارة الاقتصاد والمالية، وهيآة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، والمجلس العلمي الأعلى، من خلال اللجنة الشرعية للمالية التشاركية المنبثقة عنه.

ويعرف التأمين التكافلي على أنه تنظيم تعاقدي يهدف إلى تحقيق التعاون بين مجموعة من المشتركين، يفترض فيهم أنهم يتعرضون لخطر واحد أو أخطار معينة، إذ يقوم كل منهم بدفع مبلغ مالي على سبيل التبرع، يدعى «الاشتراك»، من أجل تكوين صندوق يسمى «صندوق المشتركين»، تدفع من خلاله تعويضات لمن يستحق، ويكون الصندوق منفصلا عن حسابات مؤسسة التأمين التكافلي. وتقوم مؤسسة التأمين التكافلي بإدارة صندوق المشتركين واستثمار الأموال المجتمعة فيه مقابل عمولة معينة بما يتفق مع أحكام الشريعة ومبادئها.

وبالنسبة إلى العروض التي يقدمها التأمين التكافلي، فتنقسم إلى التأمين التكافلي على العائلي، والذي يشمل عمليات التأمين على الحياة والتأمين على المرض وعلى الحوادث البدنية، وإلى تأمين تكافلي عام، والذي يشمل عمليات التأمين على الممتلكات وعلى المسؤوليات. وتتقاضى مؤسسة التأمين التكافلي مبلغا ماليا أو نسبة من الاشتراكات، على اعتبار أنها وكيل، وتقوم أيضا بعملية المضاربة بالنسبة إلى عمليات الاستثمار.

تم تعيين مؤسسة التأمينات هيأة للرقابة الشرعية، تتكون على الأقل من ثلاثة أعضاء، يقع تعيينهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويشترط ألا يكون أعضاء الهيأة من المساهمين في المؤسسة أو العاملين بها، وتتمثل مهمة هيأة الرقابة الشرعية في مراقبة جميع معاملات المؤسسة والإشراف عليها، وإبداء الرأي في مدى تطابقها مع أحكام الشريعة، وتكون القرارات الصادرة عن هيأة الرقابة الشرعية ملزمة لمؤسسة التأمين التكافلي.

تطوير منظومة الشريعة

رغم الجهود التي يبذلها رجال الدين في العالم الإسلامي من أجل تطوير منظومة الشريعة الإسلامية، مع متطلبات العصر، إلا أن جل هذه الحلول الفقهية الجديدة لا تلقى تجاوبا كبيرا من قبل المؤمنين، خاصة في ما يتعلق بالتأمينات، التي ترتبط بشكل وثيق بركن الإيمان والتسليم بالقضاء والقدر، في وقت يعتقد فيه المسلم أن كل ما أصابه في الماضي وما سيصيبه في المستقبل هو من باب القضاء والقدر، الذي فرضه عليه الله لحكمة يعلمها وحده، وأن المؤمن وجب عليه الرضا بالحياة التي اختارها له الله قبل ولادته، لذلك يجد المسلمون إشكالا كبيرا في التأمين على حياتهم أو على الحرائق، لأنه يعتبر الأمر نعمة من الله، ولو كان على حساب جسده أو ماله، وبالمقابل نجد أن منظومة التأمينات متجذرة في عدد من البلدان الغربية، إلى درجة أن بعض الفنانات يؤمن على مؤخراتهن وأطراف أجسادهن، في تناقض صارخ مع مبادئ المسلم، الذي يعتبر أن الجسد ملك الله، وأن نفسه ستسكن ذلك الجسد لمدة معينة فقط.

عصام الناصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق