غيابها جعل السجون فنادق للإقامة المجانية لم تساير الأحكام السالبة للحرية الظروف الاجتماعية للمدانين، وساهمت في "النيل" من هيبة السجن، إذ استثنيت من التطبيق سواء أثناء التحقيق مع المتهمين أو بعد محاكمتهم، وفق قاعدة "لا يدخل السجن إلا من يستحق ذلك". خلال السنين الأخيرة، ارتفعت أصوات للمطالبة بعقوبات بديلة عن السجن، سيما أن هدفها ليس التخفيف على السجون فقط، ولكن لما لذلك من آثار إيجابية متعددة، منها منع سيادة ثقافة السجن الذي غالبا ما يضم مجرمين يقضون عقوبة، كما أن لها انعكاسا على المجتمع، لأن المدان ينفذ عقوبة اجتماعية.لقد تحول السجن إلى فضاءات للراحة، إذ لم تراع الأحكام السالبة للحرية بعض الدوافع النفسية لبعض المدانين الذين لهم علاقات تجعلهم دائمي التردد على السجون، إذ يفضلون التحرك في مجموعات (عصابات إجرامية مثلا)، ويكون الشخص المرشح للعود تابعا لهم، فيعتقل ويقضي عقوبة في السجن، لكن الغريب أنه عندما يغادر المؤسسة يعود إلى "زملائه" السابقين، ويرجع إلى ممارسة الأفعال والسلوكات نفسها، وذلك بشكل لا إرادي ودون شعور، لأنه لا يمكن له أن يعيش بدون تلك الجماعة، ولا أن يتحرك دون أن يكون ضمن عصابة، بالنظر إلى وجود نوع من الحنين يجذبه إلى المجرمين والفعل الإجرامي، ويجد نفسه متورطا من جديد في جريمة أخرى، ليعود إلى السجن.وإذا كانت الجهات الرسمية وشبه الرسمية تشيد بما تحقق من إصلاح أوضاع السجون، وتشير إلى أن السجن بمثابة فضاء نموذجي للإصلاح والتأهيل، تحترم فيه حقوق الانسان ويحظى السجين فيه بكل حقوقه، فإن الاكتظاظ يؤرق كل المتتبعين لما له من انعكاسات على توفير شروط الحياة الإنسانية واحترام الحقوق المتعارف عليها دوليا.وخلف مشاكل المؤسسات السجنية تبرز أسباب كثيرة وراء ارتفاع عدد السجناء، فطبيعة السياسة المعتمدة ساهمت في اكتظاظ السجون منذ سنوات، مع ما يترتب عنه من «انحراف» وأمراض، وعدم احترام جملة من الشروط الدنيا لحقوق السجناء، إلى درجة أن بعض المدانين اتخذوا من المؤسسات السجنية «فنادق للإقامة»، خاصة في غياب تفعيل توصيات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، منها التوصية المتعلقة باعتماد مقاربة جديدة لمشكل السجون.وتكشف إحصائيات رسمية حجم الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، علما أن تقارير سابقة أشارت إلى أن 24 في المائة من مجموع الاحتياطيين الوافدين علىالمؤسسات السجنية، لم يكن ضروريا إيداعهم هذه السجون، لحصولهم على أحكام بالبراءة، أو سقوط الدعوى العمومية أو السراح المؤقت أو العقوبة الحبسية الموقوفة أو الإعفاء من المسؤولية أو عدم المتابعة، وهو مؤشر على غياب تفعيل العقوبات البديلة، ما يشجع على اختناق السجون.إن تفعيل العقوبات البديلة من شأنه أن يعيد للسجن هيبته وتعود تقاليد مغربية حين يقدم السجين الذي قضى عقوبته بتمزيق الغربال دليلا على رفض العودة إلى جحيم السجون. خالد العطاوي