fbpx
افتتاحية

مخربون

يعزز شغب الملاعب، يوميا، رصيد انتصاراته وتفوقه بالنقاط وفارق الأهداف، ويثبت، كل مرة، أنه الأقوى والأقدر على رفع راية “التنافس” في وجه الحكومة والوزارة الوصية وجامعة الكرة والفرق والجمعيات والمؤسسة الأمنية وباقي الجهات الأخرى، التي بدا أنها قبِلت الهزيمة وتأقلمت معها.
فما حدث عقب مؤجل الدورة 16 بين مولودية وجدة ونهضة بركان من تخريب ودمار واجتثاث لمركب رياضي حديث ينتمي إلى الجيل الجديد من ملاعب كرة القدم، ليس معزولا عن “المنطق” العام لظاهرة تتمدد وتأخذ أبعادا أمنية واجتماعية واقتصادية وتربوية خطيرة، ولا تؤمن بالحدود والقوانين والضوابط وحملات التحسيس والزجر والعقاب والمحاكمات، والدليل القاطع على ذلك، أن الأحداث نفسها تكررت بحذافيرها تقريبا، بعد أسبوع، على هامش مباراة الجيش الملكي والرجاء الرياضي.
وتبلغ الخطورة مداها، حين يأخذ الشغب شكل ورم سرطاني يتمدد وينتشر في جميع المناطق والملاعب حتى تلك التي كانت، تقليديا وتاريخيا، في منأى عن ظاهرة العنف والتخريب والتسيب الأمني، كما وقع قبل أيام بأقصى شرق المغرب، ثم الأحداث الأخرى التي شهدتها مدن مثل آسفي ومراكش وأكادير والجديدة، إذ لا “حُكم” سوى للأجساد نصف العارية، والعقول المخدرة بالأقراص المهلوسة و”العصابات” المدججة بالأسلحة البيضاء، التي تعتدي على قوات حفظ النظام، وتفرض قانون طوارئ على الملاعب، قبل المباريات وبعدها.
وبالتدريج، انتقلنا من مجرد مشاجرات واعتداءات جانبية بين جماهير ومشجعي الفرق المتنافسة (أمر شبه عاد يحدث في عدد من البلدان)، إلى مخطط تخريبي منظم يستهدف، ليس فقط البنيات التحتية والتجهيزات والأملاك العامة والخاصة للمواطنين، بل يمس صورة بلد يتوق إلى تنظيم تظاهرات رياضية عالمية كبرى، ويواصل الاستثمار الضخم في عدد من المنشآت الرياضية التي تكلف الملايير من الخزينة العامة للدولة.
إن هذا المد التخريبي المتواصل ينبغي أن يتوقف ولو اقتضى الأمر اللجوء إلى حلول جذرية، مثل إصدار قرار بتوقيف اضطراري للبطولة الاحترافية ولجميع المنافسات الأخرى في أقسام كرة القدم، وقفا للنزيف أولا، وثانيا، لإعطاء الوقت لاختبار إجراءات وتدابير أخرى تحد من الظاهرة، بعد الفشل الذريع للوصفات السابقة.
فما الجدوى، اليوم، من استمرار بطولة “احترافية” تستنزف أموالا ضخمة، إذا كانت ستتحول إلى منصة لتخريب الاقتصاد الوطني والعبث بالمؤسسات الرسمية وتدمير المنشآت والملاعب والاعتداء على المواطنين وأملاكهم؟ وما معنى أن نضع “مقدرات” الدولة رهن فئة من الجانحين و”المقرقبين” المندسين وسط مشجعين لم تعرف الفرق والجمعيات والجامعة كيف تؤطرهم وتشذب سلوكاتهم العنيفة؟
إنه العبث… حين نواصل رسم صورة هلامية غير موجودة أصلا عن واقع الرياضة، ونستمر في ضخ استثمارات بالملايير تُخرب في اليوم الموالي من وضعها، في وقت تشكو قطاعات اجتماعية أخرى مثل الصحة والتعليم والشغل من عجز مالي فظيع.
فمن الأحق بأموال الشعب: مريض لا يجد سريرا ودواء في مستشفى عمومي، أم “مشجع” ينشر الدمار والتخريب وقيم العنف، كان فريقه منتصرا، أو منهزما؟
فلنا أن نختار..
قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق