منبر

الشرع يشكو من زحف القانون

يعاني التهميش في البلدان الإسلامية ومستقبله يثير التساؤلات

تثير وضعية ومستقبل «الشرع الإلهي» في البلدان الإسلامية الكثير من التساؤلات، في وقت شهد فيه العالم الإسلامي تحولات عميقة، خاصة بعد مسلسل الاستعمار، والدخول في تجربة بناء الدولة العصرية، إذ بمرور السنوات بدأت القوانين الوضعية تزحف على التشريعات الإسلامية، في غفلة من المجتمعات العربية، التي ظلت تمارس شعائرها الدينية وتحلم بتحكيم الشريعة «العادلة»، وبالمقابل قلصت الحكومات مجال تدخل الشرع مقابل القانون، إذ أصبح محصورا في أغلب الدول في الإرث والزواج والطلاق ومسائل الأوقاف والأحباس.

ويطرح تطبيق أحكام الشرع الإسلامي مجموعة من التحديات في الدول العصرية، لأن بعضه يتعارض مع حقوق الإنسان، من قبل قتل المرتد وأحكام الحدود وجهاد الطلب وزواج الصغيرة ونظام الرق وغيرها، إذ تخلت مجموعة من الدول على جل هذه الأحكام واقتصرت على جزء صغير منها، من قبيل «قانون» الميراث والزواج والطلاق فقط، ويلاحظ الشخص عند تأمل قوانين بعض الدول أنها خالية من الأحكام التي شرعها الله للمسلمين، الذين طالما ينعتون حكامهم بالطغاة لأنهم ابتعدوا عن دين الله وشريعته، وهو ما يفسر ظهور بعض الحركات الجهادية، التي توفر للمنتسبين إليها فضاء أو «دولة» يحتكم فيها إلى الشرع الإلهي.

وفي المغرب أيضا نجد جزءا كبيرا من المجتمع يحلم بتطبيق أحكام الشريعة، بل هناك فئة كبيرة تربط بين تطبيق الشرع والتقدم الحضاري، إذ يعتقد ملايين الأشخاص أن التخلف الذي تعيشه بلدان العالم الإسلامي سببه لعنة إلهية، ويذهب البعض بعيدا للقول إن عدم الاحتكام إلى الإسلام، هو سبب الجفاف وانقطاع الغيث. لكن المفارقة الكبيرة هو أن جل الحالمين بعودة أمجاد الأمة الإسلامية، ليسوا متعلمين ولا يفقهون شيئا في الدين، باستثناء أداء بعض العبادات واستظهار بعض السور القرآنية، لأن أي شخص «عاقل» لن يرضى أن يجلد أو يرجم بسبب علاقة جنسية عابرة، كما لن يرضى أن تبتر يده بمجرد سرقة شيء تافه، أو يقتل بعد تبديل دينه.

ولعل أكثر الإشكاليات التي أصبحت تواجه الشرع اليوم، هي الانتقاء والتجزيء، والأخذ بما يخدم مصالح بعض الفئات التي تقتات على الدين، وترفض الانضمام إلى ركب الحداثة والعصرنة، بمنطق أن بعض الأحكام ليست صالحة لكل زمان ومكان، من قبيل الجهاد وحدود السرقة والزنا وغيرها، لكن بالمقابل يصرون على تطبيق الشرع في الإرث مثلا، لأنه يخدم مصلحة الرجل، ولا عجب، لأن دول العالم الإسلامي مجتمعات رجولية، يسيطر فيها الرجل على منابع السلطة والثروة والعنف.

ويبقى مستقبل الشرع غامضا في البلدان الإسلامية، خاصة أن منها التي تحاول استئصاله من ترسانتها القانونية، من قبيل تونس والمغرب، إذ دأبت مجموعة من الأصوات على المناداة بالمساواة في الإرث، ورفع الحيف عن المرأة، غير أن قوى مضادة تعيق هذه المسألة، إذ تعتبر أن هناك نصا قطعيا وصريحا لا يقبل التأويل والاجتهاد، غير أن هذا المنطق لا يعترف به المدافعون عن الخط الحداثي، بحجة أن الجهاد والحدود أيضا وردت بشكل صريح لا يقبل التأويل، لكنها لا تعتمد لأنها تتعارض مع حقوق الإنسان والقيم الكونية، وأن ما ينطبق عليها ينطبق على الإرث أيضا.

عصام الناصيري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق