fbpx
حوادث

قضاءُ التحقيق وحدود مساءلته مهنيا

دور قاضي التحقيق ينحصر في جمع الأدلة وتقييم مدى كفايتها وتبريرها للمتابعة (2/2)

بقلم: عبد الرزاق الجباري *

نزولا عند مقتضى إصدار قاضي التحقيق أمرا بعدم المتابعة إذا تبين له أن الأفعال لا تخضع للقانون الجنائي أو لم تعد خاضعة له، أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم، أو أن الفاعل ظل مجهولا، يتأدى مدلول كفاية الأدلة المُبَرِّرة للمتابعة، في عدم رُقِيِّه إلى درجة كفاية إثبات الجريمة؛ فقد يكون الدليل مبررا للمتابعة، ولكنه غير كاف للإدانة التي تستوجب الاقتناع الصميم للمحكمة –أي قاضي الحكم وليس قاضي التحقيق- المبني على الجزم في إثبات العناصر التكوينية للجريمة موضوع المتابعة، وفق مقتضيات المادة 286 من القانون أعلاه، التي جاءت في سياق القسم الثالث منه، والموسوم بـ: “شأن عقد الجلسات وصدور الأحكام”، حيث نصت على ما يلي: “يكون إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم، ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي وفقا للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده”.
ثالثها: أن مما قُضي تطبيقا لهذا المقتضى، كون: “وصف قاضي التحقيق للأدلة المعروضة عليه المتمثلة في الشهادة الطبية المعززة لتصريحات الضحية بأنها تعرضت للاعتداء من طرف زوجها المتهم الذي هو معها في نزاع بشأن رفضها المكوث مع والديه، وتأكيد هذا الأخير بأن سبب اتهامها له هو النزاع المذكور بأنها غير كافية لإثبات الجريمة، والحال أن الاقتناع الجازم بثبوتها ليس مطلوبا إلا بالنسبة للمحكمة، أما قاضي التحقيق فيكفي قيام أدلة تبرر المتابعة ولو لم تكن مقنعة للإدانة، يعد خروجا عن القاعدة المذكورة، مما كان معه القرار المطعون فيه فيما اعتمده فاسد التعليل المنزل منزلة انعدامه، والموجب للنقض والإبطال” (قرار محكمة النقض عدد 962-5، صادر بتاريخ 20-05-2009، في الملف عدد 19634-6-5-2007، نشرة قرارات المجلس الأعلى، الجزء 2، ص 125).
وتكريسا للتوجه ذاته وتثبيته، ذهبت محكمة النقض في اجتهاد آخر إلى أنه: “لما كان قاضي التحقيق قد علل أمره بأن: “شهادة فاطمة غير منتجة في الدعوى باعتبارها خصما للمتهمين”، فإنه يكون قد زاغ عن وظيفة البحث عن الدليل وتوجيه الاتهام على أساسه، وتعداها إلى ما يدخل في سلطة قضاء الحكم من تقدير للقيمة الإثباتية لهذا الدليل، وتكون الغرفة الجنحية التي سايرته في ذلك بعلة أن: “شهادة الشاهدة فاطمة رغم انها أكدت مشاهدتها للمتهمين يسرقان خلايا النحل من الحوش، إلا أنها عادت وأكدت أن النزاع بين الطرفين يدور حول هذا الأخير، وهو ما يزكي ما انتهى إليه قاضي التحقيق”، قد حادت بدورها عن وظيفتها كدرجة ثانية لقضاء التحقيق، مما كان معه قرارها غير مؤسس ومعرضا للإبطال” (قرار عدد 51، صادر بتاريخ 13-01-2011، في الملف عدد 13310-6-9-2010، نشرة قرارات المجلس الأعلى، الجزء 8، ص 97).
رابعها: أن هذا، وإن كان ثابتا، قانونا وقضاء، فلا سبيل لمعرفة مدى كفاية الأدلة من عدمها إلا بإعمال قاضي التحقيق لسلطته في تقدير ذلك، وأن من غير المشروع مساءلة هذا الأخير مهنيا عن جوهر تلك السلطة التي منحه إياها المشرع، إذ لا رقابة عليه بخصوصها إلا من طرف الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف -كدرجة ثانية لقضاء التحقيق- التي لها، حصرا، إما تأييد أمر قاضي التحقيق أو إلغائه أو تعديله في حال استئنافه (المادة 243 م. ج). بل، أكثر من هذا، فحتى محكمة النقض باعتبارها أعلى هيأة قضائية، لا يمكن بسط رقابتها على قيمة الحجج والأدلة التي أخذ بها قاضي التحقيق (المادة 518 م. ج).
نستخلص مما سلف، أن الواجبات المهنية المستوجبة لمساءلة قاضي التحقيق من الناحية المهنية، وفق الحالة “الأنموذج” المعتمدة في هذه المطارحة أعلاه، تتأطر من خلال النقطتين التاليتين:
أولاهما: أن دور قاضي التحقيق، ينحصر، فقط، في جمع الأدلة وتقييم مدى كفايتها وتبريرها للمتابعة، ثم الإحالة على المحكمة من أجل المحاكمة طبقا للقانون، ولو بدا ذلك متناقضا كالحالة موضوع المناقشة، فهو لا يبني مقرره على “الاقتناع الصميم” حتى نلزمه بالحسم في تقييم تلك الأدلة من حيث ثبوت الجريمة أو عدمه.
ثانيتهما: أن المحكمة، وبما لها من سلطة واسعة في تقدير وسائل الإثبات، هي من تضطلع، حصرا، بصلاحية تقييم مدى ثبوت الجريمة من عدمه، في ضوء ما استجمعه قاضي التحقيق من أدلة، والحكم بناء على اقتناعها الصميم إما بالإدانة أو البراءة، إلا إذا تسرب إلى قناعتها شك، فيتعين، حينها، تفسيره لفائدة المتهم (المادة 1 م. ج).
وتحصيلا من هاتين النقطتين، فإن من غير المستساغ تحريك المسطرة التأديبية في مواجهة قاض للتحقيق لمجرد أنه مارس سلطته التقديرية في القول بكفاية الأدلة المبررة للمتابعة، وإحالة القضية على المحكمة للحسم في جوهرها وفق ما يخولها القانون، طالما أن لا سبيل للرقابة على تلك السلطة، سوى إعمال طرق الطعن في الأمر الصادر عنه بالاستئناف أمام الغرفة الجنحية، إذا لم يكن هناك مانع من القانون نفسه.
هذا، وأن من غير المقبول، أيضا، دستورا وقانونا وكونا، مساءلة قاض للتحقيق تأديبيا على إعمال سلطته المذكورة في القول بكفاية الأدلة المبررة للمتابعة، والحال أن القضية التي بمناسبتها أثيرت تلك المساءلة –في الغالب الأعم- تكون ما زالت معروضة على قضاء الحكم للبت في موضوعها، وهو ما قد يؤثر، لا محالة ولا ريب، على مقرر هذا الأخير ؛ حيث تكون جهة التأديب ذاتها، والتي يخضع لها، أيضا، قاضي الحكم، قد أبرزت موقفها حول جوهر القضية ضمنا ومن حيث لا تدري، مما نكون معه أمام محاولة للتأثير على استقلالية السلطة القضائية، الواقعة تحت طائلة المنع المنصوص عليه في الفصل 109 من الدستور.
* الكاتب العام لنادي قضاة المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى