حوادث

قضاءُ التحقيق وحدود مساءلته مهنيا

المشرع المغربي منح قاضي التحقيق قوة (1/2)

تتوزع سلطة القضاء في النظام القضائي الزجري، خصوصا في ضوء أدبيات المدرسة الجرمانية اللاتينية التي ينتمي إليها النظام القانوني المغربي، بين قضاء النيابة العامة وقضاء الحكم. ويتألف هذا الأخير بدوره، فضلا عن قضاء الحكم المحض، من قضاء التحقيق الذي يتميز بميزات خاصة في قانون المسطرة الجنائية.

بقلم: عبد الرزاق الجباري *

من أبرز تلك الميزات، هي المزج بين بعض صفات قضاء النيابة العامة من جهة، وقضاء الحكم المحض من جهة أخرى؛ ذلك أن الماهية القانونية لقاضي التحقيق، تتبدى، أساسا، عند ممارسته لصلاحياته المسطرية، في اقتباسه دورَ النيابة العامة في البحث عن أدلة الجرائم ومرتكبيها، والإشراف على الشرطة القضائية بمختلف أنواعها في حدود ما تسمح له به تلك الصلاحيات، كما يمتح من قاضي الحكم خصيصة الاستقلالية في عمليتي البحث وتقدير الأدلة المستخلصة من حيث مدى كفايتها ومشروعيتها لتوجيه الاتهام بارتكاب جريمة أو عدم توجيهه.

من هنا، كان وَسمُ قاضي التحقيق في أوساط الفقه الجنائي الفرنسي بـ “القاضي القوي” في المسطرة ؛ فلا هو مقيد بأوراق الدعوى المحالة عليه من قبل النيابة العامة، ولا بملتمساتها المختلفة، بَلْهَ ما أُنجز من أعمال ضبطية خلال مرحلة البحث التمهيدي. بل، أكثر من هذا، فإنه القاضي الوحيد الذي يجمع بين صفة “الآمر” الذي يُصدر أوامره طبقا للقانون، و”المنفذ” الساهر على تنفيذ تلك الأوامر في الآن ذاته، ما لم يأمر بتفويض تنفيذها إلى الشرطة القضائية أو النيابة العامة (المادتين 40 و189 م. ج).

ولعل أجلى ما تتكشف عنه هذه القوة، هو الموقع المتقدم لقاضي التحقيق في المسطرة الجنائية، إذ منحه المشرع المغربي قوة عملية لمَّا نص في المادة 75 من قانون المسطرة الجنائية على ما يلي: “إذا حضر قاضي التحقيق بمكان وقوع الجناية أو الجنحة المتلبس بها، فإن الوكيل العام للملك أو وكيل الملك وضباط الشرطة القضائية يتخلون له عن القضية بقوة القانون. يقوم قاضي التحقيق في هذه الحالة بجميع أعمال ضباط الشرطة القضائية المنصوص عليها في هذا الباب، وله أن يأمر أيا من ضباط الشرطة القضائية بمتابعة العمليات”.
ومما تستلزمه مقتضيات هذه المادة، أمرين اثنين:

أولهما: أن مناط وضع قاضي التحقيق يده على القضية في حالة التلبس، هو صفته “ضابطا ساميا” للشرطة القضائية. وبالتالي، فلا يتوقف الأمر حينها على ملتمس من النيابة العامة بإجراء تحقيق فيها، خلافا للمقرر في الحالات العادية المنصوص عليها في المادة 83 من قانون المسطرة الجنائية ؛
ثانيهما: أن تخلي الوكيل العام للملك أو وكيل الملك أو ضباط الشرطة القضائية المختصين نوعيا بالبحث في القضية عن هذه الأخيرة، يكون بقوة القانون لفائدة قاضي التحقيق. وعليه، وإعمالا لدلالة مفهوم المخالفة، فلا تجوز مزاحمة قاضي التحقيق في أعمال البحث في الجريمة المتلبس بها ألبتة، سواء تعلق الأمر بجناية أو جنحة، وإلا كان ذلك موجبا للمساءلة التأديبية، اللّهم إذا أصدر أمره لأحد ضباط الشرطة القضائية بمتابعتها تحت إشرافه.

بيد أن ما يثار من تساؤل في هذا الصدد، هو: هل هذا الوضع القانوني القوي –إن صح التعبير مجازا- يحول دون مساءلة قاضي التحقيق تأديبيا عن الإخلالات التي قد يرتكبها في عمله ؟
لا شك أن قاضي التحقيق، شأنه في ذلك شأن كل القضاة، يخضع للمساءلة التأديبية كلما أَخَلَّ: “(..) بواجباته المهنية أو بالشرف أو الوقار أو الكرامة (..)”، تطبيقا للمادة 96 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، التي جاءت عامة في بنائها لتشمل كل فئات القضاة، بغض النظر عن مهامهم الوظيفية المختلفة.

وإذا كانت موجبات المساءلة التأديبية المبنية على القيم الثلاثة الأخيرة لا تثير كبير إشكال بخصوص قاضي التحقيق، فإن الأمر خلافه بالنسبة إلى واجباته المهنية التي تختلف، إلى حد ما، عن مثيلتها لدى باقي القضاة، إلا ما تعلق بواجب الحياد والتجرد والاستقلالية. فما هي حدود الواجبات المهنية المستوجبة لمساءلة قاضي التحقيق مهنيا ؟

لما كان من المتعذر، قانونا ومنطقا، مساءلة قاضي التحقيق عن الخرق الخطير لقانون الموضوع باعتباره قاضيا لـ “الاتهام” لا يتولى سوى تطبيق قانون الشكل، ونظرا لتشعب القضايا المسطرية التي يُفضي الإخلال بها من قبله إلى المساءلة المهنية، فإننا ننتخب للإجابة عن هذا التساؤل، بالدراسة والمناقشة، حالة كليةً هي الأكثر حدوثا في الواقع المهني المعاش، كان قد أحيل بمقتضاها –فيما مضى ولا زال- قضاة للتحقيق على التأديب بعلة الإخلال بواجباتهم المهنية، ملخصها: أن قاضي التحقيق قد أصدر أمرا بمتابعة شخصين متخاصمين وأحالهما معا على المحاكمة من أجل محاكمتهما، موجها الاتهام إلى كل واحد منهما بشكل يختلف عن اتهام الآخر ويناقضه، لدرجة أن ثبوت تهمة أحدهما تنفي بالضرورة تهمة الثاني، مؤسسا ذلك بما استُجمِع لديه من وسائل الإثبات التي تعزز تلك الاتهامات وتبررها رغم اختلافها، مما نُعي معه أمره هذا بعدم الحسم في ثبوت فعل أحد المتهمين ومتابعته فقط دون الآخر، فضلا عن التناقض الذي شاب حيثياته ومنطوقه.

واستبطانا لما تحويه هذه الحالة “الأنموذج” من عناصر الجواب عن التساؤل الآنف، نورد بعض المفاتيح القانونية الكفيلة بتفكيكها في ضوئه، وهي كالتالي:

أولها: أن المعلوم من قانون المسطرة الجنائية بالضرورة، وارتباطا بكيفية التعاطي مع وسائل الإثبات أثناء مرحلة التحقيق الإعدادي، فإن مناط دور قاضي التحقيق في تسطير متابعة ضد شخص ما، هو أن تكون هناك أدلة كافية تبرر تلك المتابعة، بحسب دلالة مفهوم مخالفة نص المادة 216 من القانون ذاته في فقرتها الأولى، التي جاءت كالتالي: “يصدر قاضي التحقيق أمرا بعدم المتابعة إذا تبين له أن الأفعال لا تخضع للقانون الجنائي أو لم تعد خاضعة له، أو أنه ليست هناك أدلة كافية ضد المتهم، أو أن الفاعل ظل مجهولا”.

* الكاتب العام لنادي قضاة المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق